بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى الوقت الذى تتجه فيه دول كثيرة حول العالم إلى توسيع الوصول المجانى أو شبه المجانى إلى الإنترنت، باعتباره حقًا تنمويًا وأداة أساسية للنمو الاقتصادى والتعليم والابتكار، يبدو المشهد فى مصر متحركًا فى الاتجاه المعاكس. فقرار رفع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت، حتى مع محاولات تقديمه فى إطار «الشمول الرقمى»، يثير سؤالًا أعمق من مجرد زيادة أسعار الباقات، كيف يمكن الحديث عن التحول الرقمى، بينما تصبح القدرة الفعلية على استخدام الإنترنت أكثر كلفة وأقل تمكينًا لقطاعات واسعة من الناس؟.
العالم اليوم لا ينظر إلى الإنترنت باعتباره خدمة ترفيهية، بل باعتباره بنية أساسية حيوية، لا تقل أهمية عن الطرق والموانئ والكهرباء. فالدول التى تسعى إلى جذب الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتمكين الشباب، وبناء اقتصاد معرفى، تدرك أن الوصول السهل والسريع والمستقر إلى الإنترنت أصبح شرطًا أساسيًا للنمو. ولهذا تتجه حكومات ومدن عديدة إلى توسيع خدمات الإنترنت المجانى فى الأماكن العامة، والجامعات، والمواصلات، بل وحتى على المستوى الوطنى فى بعض الدول، باعتبار أن تمكين الناس من الاتصال بالشبكة ينعكس مباشرة على الإنتاجية والتعليم وريادة الأعمال والقدرة التنافسية للاقتصاد.
فى المقابل، فإن تقليص قدرة الناس على الوصول الفعّال إلى الإنترنت بسبب ارتفاع الأسعار لا يؤدى فقط إلى عبء اقتصادى مباشر، بل يخلق آثارًا أوسع وأكثر عمقًا. فالطالب الذى لا يملك باقة كافية لن يستطيع متابعة المحتوى التعليمى الحديث بصورة مستقرة، وصاحب المشروع الصغير سيجد صعوبة أكبر فى إدارة أعماله رقمياً، والعامل الحر أو المبرمج أو صانع المحتوى سيتراجع إنتاجه أو ترتفع تكلفته التشغيلية، بينما تتسع الفجوة الرقمية بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع.
أخبار متعلقة
عبد اللطيف المناوي
اتفاق أوباما يعود بصيغة «ترامبية»
عبد اللطيف المناوي
«فزعة» تحمى التحالفات
عبد اللطيف المناوي
جسور الفن
ومن هنا تبدو محاولة تجميل القرار عبر الإعلان عن «باقات أرخص» نوعًا من الالتفاف على جوهر القضية. فالمسألة ليست مجرد وجود باقة بسعر أقل، بل ماذا يستطيع المستخدم أن يفعل بها؟ وما حجم الإنترنت الحقيقى المتاح؟ وما جودة الخدمة؟ لأن «الشمول الرقمى» لا يتحقق بمجرد بيع اتصال محدود بالشبكة، بل بتمكين الناس من استخدام الإنترنت بصورة حقيقية للإنتاج والتعلم والعمل والترفيه.
فإذا كانت الباقة الأرخص لا تكفى عمليًا للاستخدام اليومى الفعّال، أو إذا كانت جودة الخدمة نفسها غير مستقرة، فإن الحديث عن الشمول الرقمى يصبح أقرب إلى المعالجة الشكلية منه إلى التمكين الحقيقى. الإنترنت اليوم لم يعد مجرد وسيلة للدخول إلى مواقع إلكترونية، بل أصبح منصة للعمل والتعليم والخدمات الحكومية والتجارة والإبداع. وبالتالى فإن قياس الوصول الرقمى يجب ألا يكون بعدد المشتركين فقط، بل بقدرتهم الفعلية على الاستفادة المنتجة من الخدمة.
ورغم الأسباب المعلنة لزيادة الأسعار، من ارتفاع سعر الصرف والطاقة وتكاليف التشغيل، فإنه لا يمكن النظر إلى هذه الزيادات بمعزل عن طبيعة وهيكل السوق نفسه. وهذا حديث آخر.