توقيت القاهرة المحلي 05:02:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غطرسة أمريكية بوجه ترامبي

  مصر اليوم -

غطرسة أمريكية بوجه ترامبي

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يكن المبعوث الأمريكى الخاص إلى سوريا ولبنان، توم باراك، مجرد زائر دبلوماسى آخر إلى قصر بعبدا فى بيروت هذا الأسبوع. لقد كان حضوره أشبه بحضور حى للصورة النمطية عن السلوك الأمريكى فى الشرق الأوسط: متعالٍ، عنيف فى اللغة، ومفتقر لأدنى قواعد الاحترام الثقافى والدبلوماسى. حين وقف باراك، على منبر الرئاسة اللبنانية، مخاطبًا الصحفيين بعبارات فظة متغطرسة قائلًا: «حين يصبح الوضع فوضويًا وحيوانيًا، سنرحل من هنا»، لم يكن يرتكب مجرد زلة لسان، حتى لو بدأ كذلك، بل كان يعبر عن موقف عميق الجذور، يفيض بالتفوق الأخلاقى المزعوم، ويعيد إلى الأذهان صورة الأمريكى المتقدم وهو يؤدب «الشرق المتخلف».

بعيدًا عن السياق الظاهرى للمؤتمر الصحفى الذى جاء ضمن زيارة لمناقشة ملف نزع سلاح حزب الله، فإن الطريقة التى خاطب بها باراك الصحفيين اللبنانيين تكشف جوهرًا أعمق: عقلية استعمارية قديمة متجددة، ترى فى شعوب المنطقة رعايا لا رفاقًا، وفى الإعلام المحلى غوغاء لا شركاء. وما زاد الطين بلة أن هذا التعالى جاء من على منبر رسمى لبنانى، يُفترض أنه محاط بالبروتوكول واللياقة، لا مسرحًا لعروض الإهانة العلنية.

ولعل أكثر ما يثير السخرية السوداء فى كلمات باراك ليس فقط استخدامه مصطلح «الحيواني» فى وصف الحضور، بل أنه ربط هذا «السلوك» بما وصفه بأنه «مشكلة المنطقة». أى أنه فى لحظة واحدة، وبتعبير واحد، لم يكتف بإهانة الصحفيين، بل ضمَّ المنطقة برمّتها إلى وصفه، مانحاً لنفسه صلاحية إطلاق حكم حضارى شامل على شعوب، وثقافات.

هذا النمط من الخطاب لا يمكن فصله عن السلوك السياسى العام للإدارة الأمريكية التى يمثلها باراك. فهو ينتمى إلى فريق الرئيس ترامب، الذى أسّس خطابًا سياسيًا يقوم على الوقاحة الاستعراضية، وازدراء المعايير، ونشر الغطرسة. ما فعله باراك كان استمرارًا لنهج ترامب، معاملة الصحفيين بازدراء، وخفض مستوى الخطاب الدبلوماسى إلى مستويات تهكمية. فمن منّا ينسى كيف خاطب ترامب الصحفيين الأمريكيين أنفسهم، ووصفهم بـ «أعداء الشعب»، أو كيف أدار ظهره لمراسلى «سى إن إن» و«واشنطن بوست» فى مؤتمراته؟.

المشهد لم يمرّ دون ردّ. فقد توالت الإدانات من نقابة الصحافة، ومن رئاسة الجمهورية نفسها، التى اضطرت إلى إصدار بيان تعبر فيه عن أسفها لكلام «صدر من على منبرها». كما دعت شخصيات إعلامية وسياسية إلى مقاطعة أنشطة باراك الصحفية، فيما طالبت النقابة باعتذار علنى. أما الشارع اللبنانى، فقد عبّر عن غضبه من خلال موجة تفاعلات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعى، رأى كثيرون فيها أن ما حدث لم يكن مجرد إهانة لصحفيين، بل تقليلًا من شأن بلد بأكمله.

فى زمن تتقاطع فيه خطابات ما بعد الاستعمار مع صعود الشعبوية الغربية، تصبح لحظة واحدة، مثل ما فعله باراك، مرآة واضحة لجوهر المشهد: نحن أمام إدارة لا ترى فى «الشرق» سوى فوضى، تستحق التهذيب لا الاحترام، والتأديب لا الشراكة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غطرسة أمريكية بوجه ترامبي غطرسة أمريكية بوجه ترامبي



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt