توقيت القاهرة المحلي 08:27:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سويا المنقسمة.. ساحة للصراع (2-4)

  مصر اليوم -

سويا المنقسمة ساحة للصراع 24

بقلم : عبد اللطيف المناوي

يعود التنوع الدينى والمذهبى والعرقى فى سوريا إلى جذور تاريخية عميقة. كانت أرض سوريا عبر العصور معبرًا ومقرًا لحضارات وشعوب متعددة؛ فانتشرت فيها الديانات السماوية مبكرًا، واحتضنت مهد المسيحية الأولى، ودخلها الإسلام فى القرن السابع الميلادى لينتشر بين غالبية سكانها مع بقاء طوائف مسيحية أصيلة.

كما ظهرت خلال العصرين الأموى والعباسى حركات مذهبية كالعلوية والإسماعيلية فى جبال الساحل السورى، ونمت الطائفة الدرزية، وغيرها. ولطالما وُصف المجتمع السورى بأنه «فسيفساء» غنى بالأعراق والطوائف، هذا التنوع استغلّه البعض سياسيًا وأصبح ميدانًا للاستقطاب بدلًا من أن يكون عامل وحدة.

فى التاريخ الحديث، لم تنجح الحكومات المتعاقبة فى جعل هذا التعدد رافعة لبناء هوية وطنية متماسكة؛ بل اعتمدت غالبًا سياسات إقصائية اختزلت مفهوم الهوية السورية فى بعد واحد (كالعروبة والإسلام). وهكذا تحوّل التنوع إلى مكمن ضعف تستغله الأطراف المختلفة. فعلى سبيل المثال، انتهج الانتداب الفرنسى صراحة سياسة تقسيم السوريين على أسس طائفية كما أسلفنا، مما زرع بذور الشك بين المكونات وساهم فى إضعاف الشعور الوطنى الجامع. وفى عهد الاستقلال ثم الوحدة مع مصر، أدت هيمنة الهوية العربية-الإسلامية الرسمية إلى شعور الأقليات بالتهميش الثقافى، وساعدت لاحقًا فى اندفاع الكثير منهم لتأييد انقلاب البعث الذى وعد بالمساواة.

خلال حكم البعث وبخاصة فى عهد الأسدين، جرى توظيف التنوع كسلاح سياسى بيد السلطة: أتقن النظام اللعب على ورقة الخوف الطائفى، فصوّر نفسه حاميًا للأقليات من تطرف الأكثرية، وحاميًا للأكثرية من خطر التقسيم إذا ضعفت الدولة.

شاع وقتها نوع من المحاصصة غير المعلنة فى المؤسسات، فالجيش وأجهزة الأمن يقودها غالبًا ضباط علويون، بينما ظهرت شخصيات سنّية فى الواجهة الحكومية والدبلوماسية لإبقاء التوازن الشكلى. هذه السياسة عززت الاستقرار السطحى لعقود – فالنظام منع أى اقتتال طائفى داخلى بقوة القبضة الأمنية – لكنها فى الوقت نفسه عمّقت الشروخ المجتمعية وراكمت الاحتقان تحت السطح.

انعكس تأثير التنوع أيضًا فى النزاعات الداخلية التى شهدتها سوريا. ومنها تمرد الإخوان المسلمين (١٩٧٦-١٩٨٢)، ورغم أن ذلك الصراع لم يتحول إلى حرب أهلية شاملة، لكنه خلّف ذاكرة مثخنة بالجراح لدى السنّة والعلويين على السواء، ومهّد لانعدام الثقة بينهما حتى انفجر الوضع مجددًا بعد عقود وتحديدًا فى ٢٠١١ مع بداية الحرب فى سوريا.

من جهة أخرى، عانى الأكراد أيضًا من التمييز القومى ما أدى لاحتجاجاتهم وظهور حركات كردية سرية معارضة منذ الستينيات. ومع أن التوتر العربى الكردى لم يصل لمواجهة مسلحة واسعة قبل ٢٠١١، إلا أن السياسات الرسمية (مثل مشروع الحزام العربى لتعريب مناطقهم فى الجزيرة، ومنع اللغة الكردية) أبقت شعورًا بالظلم لدى الكرد كمجموعة إثنية. ويمكن القول إن غياب معالجات عادلة لهذه الإشكالات جعل النسيج الوطنى هشًا فى مواجهة الأزمات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سويا المنقسمة ساحة للصراع 24 سويا المنقسمة ساحة للصراع 24



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt