توقيت القاهرة المحلي 16:14:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شيزوفرينيا الغرب

  مصر اليوم -

شيزوفرينيا الغرب

بقلم : عبد اللطيف المناوي

تعيش النخبة السياسية فى الغرب، وتحديدًا فى بريطانيا، حالة من الفصام العميق (الشيزوفرينيا) الأخلاقى والسياسى فى تعاملها مع المأساة المتواصلة فى غزة. لا يمكن وصف هذا الاضطراب إلا بأنه مزيج من رعب عميق من تهمة «معاداة السامية» من جهة، ومن ازدواجية معايير صارخة من جهة أخرى، يتحكمان معًا فى طريقة تعاطى السياسيين ووسائل الإعلام الغربية مع جرائم الحرب التى تُرتكب بحق الفلسطينيين يومًا بعد يوم.

فى مقاله الأخير فى صحيفة «الجارديان»، قدّم الكاتب البريطانى «أوين جونز» شهادة قوية، بل إدانة أخلاقية صريحة لحالة الانفصام التى تسود الخطاب السياسى والإعلامى فى بلاده. استعرض جونز كيف أن هتاف مغنٍ غاضب فى مهرجان جلاستونبرى ضد الجيش الإسرائيلى - تحديدًا عبارة «الموت لجيش الدفاع الإسرائيلى» - أثار عاصفة سياسية وإعلامية عاتية، شملت إدانات رسمية، وتحقيقات جنائية، واتهامات فورية بمعاداة السامية، بينما مرّ خبر موثق نُشر فى صحيفة إسرائيلية كبرى يفيد باعتراف جنود إسرائيليين بتلقى أوامر بإطلاق النار على فلسطينيين عزّل أثناء انتظارهم مساعدات إنسانية، مرور الكرام، دون شجب ولا محاسبة.

الرسالة هنا واضحة: خمس كلمات فى عرض موسيقى تُعدُّ جريمة، بينما مذبحة تُودى بحياة أكثر من ٦٠٠ إنسان جائع تصبح تفصيلًا لا يستحق اهتمام الصفحات الأولى أو موجزات الأخبار. إنها ازدواجية أخلاقية بامتياز، تنبع من خوف مرضى أصاب العقل الغربى، مفاده أن أى انتقاد لإسرائيل قد يُفسّر فورًا على أنه عداء للسامية.

المشكلة لا تكمن فقط فى تجاهل معاناة الفلسطينيين، بل فى ما هو أعمق: تحويل الضحية إلى متهم، وإعفاء الجلاد من أى مساءلة، فقط لأنه يتدثّر بعباءة «الديمقراطية الغربية» أو «الدولة الحليفة». حتى المؤسسات التى يُفترض أنها مستقلة، مثل BBC، لم تسلم من هذا التواطؤ الناعم. فقد سارعت لإدانة الهتاف ضد الجيش الإسرائيلى باعتباره «معاداة للسامية»، متجاهلة أن هذا الجيش نفسه هو موضوع مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس وزرائه ووزير دفاعه السابق، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

الهتاف لم يكن دعوة إلى القتل، بل صرخة احتجاج ضد آلة عسكرية عنيفة ترتكب جرائم موثقة. لكن الصوت الذى يُطالب بتفكيك تلك الآلة يُجر إلى القضاء، بينما يواصل الساسة الذين يزوّدونها بالسلاح مهامهم بهدوء دون مساءلة.

إن هذا التناقض الأخلاقى الفج فى الغرب يعكس أزمة قيم حقيقية: كيف يمكن لثقافات تتغنى بحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وكرامة الفرد، أن تصمت – بل وتدين من يتكلم – حين يتعلق الأمر بفلسطين؟.

لقد حذر أوين جونز من أن هذه الجريمة، أى تدمير غزة، موثقة للغاية، ووقحة للغاية، وفاضحة للغاية، بحيث لا يمكن طمسها إلى الأبد. سيأتى يوم تُحاسَب فيه الأيدى التى زودت القتلة بالسلاح، والأصوات التى صمتت عن الحق، والأنظمة التى استخدمت «معاداة السامية» درعًا لتحمى بها نفسها من النقد الأخلاقى والسياسى المشروع.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شيزوفرينيا الغرب شيزوفرينيا الغرب



GMT 14:01 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

GMT 13:58 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 13:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 12:34 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 12:25 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لا يمكن لإيران أن تكونَ ضد العالم

GMT 12:23 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 12:20 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 12:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt