توقيت القاهرة المحلي 16:27:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شيزوفرينيا الغرب

  مصر اليوم -

شيزوفرينيا الغرب

بقلم : عبد اللطيف المناوي

تعيش النخبة السياسية فى الغرب، وتحديدًا فى بريطانيا، حالة من الفصام العميق (الشيزوفرينيا) الأخلاقى والسياسى فى تعاملها مع المأساة المتواصلة فى غزة. لا يمكن وصف هذا الاضطراب إلا بأنه مزيج من رعب عميق من تهمة «معاداة السامية» من جهة، ومن ازدواجية معايير صارخة من جهة أخرى، يتحكمان معًا فى طريقة تعاطى السياسيين ووسائل الإعلام الغربية مع جرائم الحرب التى تُرتكب بحق الفلسطينيين يومًا بعد يوم.

فى مقاله الأخير فى صحيفة «الجارديان»، قدّم الكاتب البريطانى «أوين جونز» شهادة قوية، بل إدانة أخلاقية صريحة لحالة الانفصام التى تسود الخطاب السياسى والإعلامى فى بلاده. استعرض جونز كيف أن هتاف مغنٍ غاضب فى مهرجان جلاستونبرى ضد الجيش الإسرائيلى - تحديدًا عبارة «الموت لجيش الدفاع الإسرائيلى» - أثار عاصفة سياسية وإعلامية عاتية، شملت إدانات رسمية، وتحقيقات جنائية، واتهامات فورية بمعاداة السامية، بينما مرّ خبر موثق نُشر فى صحيفة إسرائيلية كبرى يفيد باعتراف جنود إسرائيليين بتلقى أوامر بإطلاق النار على فلسطينيين عزّل أثناء انتظارهم مساعدات إنسانية، مرور الكرام، دون شجب ولا محاسبة.

الرسالة هنا واضحة: خمس كلمات فى عرض موسيقى تُعدُّ جريمة، بينما مذبحة تُودى بحياة أكثر من ٦٠٠ إنسان جائع تصبح تفصيلًا لا يستحق اهتمام الصفحات الأولى أو موجزات الأخبار. إنها ازدواجية أخلاقية بامتياز، تنبع من خوف مرضى أصاب العقل الغربى، مفاده أن أى انتقاد لإسرائيل قد يُفسّر فورًا على أنه عداء للسامية.

المشكلة لا تكمن فقط فى تجاهل معاناة الفلسطينيين، بل فى ما هو أعمق: تحويل الضحية إلى متهم، وإعفاء الجلاد من أى مساءلة، فقط لأنه يتدثّر بعباءة «الديمقراطية الغربية» أو «الدولة الحليفة». حتى المؤسسات التى يُفترض أنها مستقلة، مثل BBC، لم تسلم من هذا التواطؤ الناعم. فقد سارعت لإدانة الهتاف ضد الجيش الإسرائيلى باعتباره «معاداة للسامية»، متجاهلة أن هذا الجيش نفسه هو موضوع مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس وزرائه ووزير دفاعه السابق، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

الهتاف لم يكن دعوة إلى القتل، بل صرخة احتجاج ضد آلة عسكرية عنيفة ترتكب جرائم موثقة. لكن الصوت الذى يُطالب بتفكيك تلك الآلة يُجر إلى القضاء، بينما يواصل الساسة الذين يزوّدونها بالسلاح مهامهم بهدوء دون مساءلة.

إن هذا التناقض الأخلاقى الفج فى الغرب يعكس أزمة قيم حقيقية: كيف يمكن لثقافات تتغنى بحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وكرامة الفرد، أن تصمت – بل وتدين من يتكلم – حين يتعلق الأمر بفلسطين؟.

لقد حذر أوين جونز من أن هذه الجريمة، أى تدمير غزة، موثقة للغاية، ووقحة للغاية، وفاضحة للغاية، بحيث لا يمكن طمسها إلى الأبد. سيأتى يوم تُحاسَب فيه الأيدى التى زودت القتلة بالسلاح، والأصوات التى صمتت عن الحق، والأنظمة التى استخدمت «معاداة السامية» درعًا لتحمى بها نفسها من النقد الأخلاقى والسياسى المشروع.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شيزوفرينيا الغرب شيزوفرينيا الغرب



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt