توقيت القاهرة المحلي 15:04:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الكوليرا فى زمن الحرب والجوع رحلة البحث عن الماء النظيف

  مصر اليوم -

الكوليرا فى زمن الحرب والجوع رحلة البحث عن الماء النظيف

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى أحد معسكرات النزوح شرق السودان، تجلس أم لخمسة أطفال بجانب خيمة مهترئة، تمسك بيد صغيرها الذى أصيب بالإسهال الحاد والقىء منذ الصباح. تقول وهى تحاول تهدئة أنفاسه: «كل ما فعلناه أننا شربنا من البئر القريبة... لم يكن أمامنا خيار آخر». هذا مشهد رأيته فى أحد التقارير الإخبارية، ليست قصة فردية، بل مشهد يتكرر يوميًا بين آلاف الأسر التى حاصرتها الحرب والجوع، وأعاد إليها وباء الكوليرا الذى ظن العالم أنه طواه النسيان.

الكوليرا، ذلك المرض الذى أرهق البشرية فى القرن التاسع عشر، كان على وشك الاختفاء بفضل اللقاحات وتحسن الصحة العامة. لكن فى السودان، عاد ليضرب بقسوة. منذ يوليو ٢٠٢٤ وحتى اليوم، أصيب ما يقارب ١٠٠ ألف شخص، وفقد أكثر من ألفى إنسان حياتهم، معظمهم من الأطفال وكبار السن.

الأرقام وحدها صادمة، لكن خلف كل رقم حكاية فقد، وألم، وخوف من أن يكون القادم أسوأ.

اندلاع الحرب الأهلية فى أبريل ٢٠٢٣ دمّر المستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحى، وشرّد الملايين إلى معسكرات مزدحمة بلا مياه نظيفة. ثم جاءت الفيضانات لتختلط مياه الأمطار بالصرف الصحى، فانتشرت البكتيريا القاتلة فى كل اتجاه.

فى معسكر آخر، يقول أحد النازحين: «نقطع كيلومترات لنصل إلى نقطة توزيع المياه، وعندما نصل، نجد أن المياه ملوثة... لكننا نشرب، لأن العطش يقتل أسرع من المرض».

المنظمات الدولية، وعلى رأسها اليونيسيف، سارعت إلى توفير ٧.٦ مليون جرعة لقاح، وتأمين المياه النظيفة لـ٢.٥ مليون شخص، وحملات توعية وصلت إلى الملايين. وفى أغسطس ٢٠٢٥، أطلقت وزارة الصحة السودانية حملة تستهدف أكثر من ١٥٠ ألف شخص فى الخرطوم، لكن الأزمة أكبر من الإمكانيات المتاحة.

الوقت ينفد، والمرض ينتشر بسرعة، ومع كل يوم تأخير، تزداد المخاطر ليس فقط على السودان، بل على دول الجوار.

عودة الكوليرا إلى السودان تكشف أن التقدم الطبى وحده لا يكفى لمحو الأوبئة من التاريخ، فغياب الأمن، وتدهور البنية التحتية، والكوارث البيئية، يمكن أن يعيد أمراضًا كانت على وشك الاختفاء. ما يحدث فى السودان هو إنذار للعالم بأن الأوبئة لا تعرف حدودًا، وأن الاستثمار فى أنظمة الصحة العامة وحماية المجتمعات من الانهيار هو خط الدفاع الأول.

لا أعلم إن كان «الأشقاء» السودانيين على الطرفين يعلمون بهذه الحقائق؟ هل يحاولون إيجاد حلول؟ هل يهتمون أصلا بمن يفترض أنهم أهلهم و«أشقاؤهم»؟ أم أن الصراع على السلطة أعمى الأبصار والبصيرة؟

بالنسبة لأم ذلك الطفل، لا يهمها الأرقام أو الإحصائيات. كل ما تريده أن ترى ابنها يضحك من جديد، وأن لا تضطر كل صباح إلى التساؤل: من منّا سيكون التالى؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكوليرا فى زمن الحرب والجوع رحلة البحث عن الماء النظيف الكوليرا فى زمن الحرب والجوع رحلة البحث عن الماء النظيف



GMT 14:01 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

GMT 13:58 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 13:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 12:34 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 12:25 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لا يمكن لإيران أن تكونَ ضد العالم

GMT 12:23 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 12:20 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 12:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt