على عكس الأحلام، وجد العالم نفسه في كوابيس؛ فمنذ سنوات كان هناك تفكير بصوت عالٍ بإحداث إصلاحات جوهرية في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، ومحاولة ترميم الاستقرار الدولي، ومنع الحروب وتزيين العولمة بانفتاح التجارة العالمية. هل نذكر هنا اتفاقيات «الغات»، واتفاقيات التجارة عبر المحيط، واتفاقيات التجارة الحرة؟ كان ذلك في التسعينات على عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.
في ذلك الوقت، ذهبت مئات الآلاف من الدراسات تشرح لنا حرية العولمة، والقرية الكونية، وكان أن انفجرت الشبكة الدولية «الإنترنت»، وبالفعل صرنا غرفة واحدة.
لكن فجأة تهشم كل شيء. عدنا إلى حروب لم نكن نتصور أن تأتي. فاجأنا حجم التحديث والابتكار في الأسلحة الفتاكة. صرنا غارقين في عالم هجين بين المسيرات والحروب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والقتل عن بعد.
كان يمكن أن يكون كل هذا من أجل رفاهية المجتمع الدولي، لكن من الواضح أن الطبيب السياسي وصف للعالم أدوية أصابته بنزيف داخلي عميق. تعالوا نفرد الخرائط العالمية، وسنجد أن تلك الخرائط تتآكل بفعل الغضب المتبادل عبر الحدود: حالة أوكرانيا وروسيا، وتتمزق مثل حالة فلسطين ولبنان وسوريا وليبيا، وتهتز كما هي حالة كندا وغرينلاند، وفنزويلا وكوبا، وتخشى المجهول كحالة الاتحاد الأوروبي. ومن ثم، فإن هذه المساحة من الشرق إلى الغرب والشمال والجنوب إلى الوسط، مساحة هائلة، وتعدّ الخزان البشري والسياسي والاقتصادي الذي يربط الخرائط معاً، واهتزازها يعني خراباً عالمياً.
لو كنا في حالة العولمة، كما حلم الآباء المؤسسون لها، لكنا في حال عالمية أفضل، لكنّ أصحاب القوميات الضيقة والعقائد الأضيق والأعراق المختارة، أرادوا أن يعود العالم إلى ما قبل وستفاليا 1648؛ تلك الاتفاقية التي حددت شكل وجوهر وسيادة الدول، وإلى ما قبل دولة ماكس فيبر التي لها شكل وحدود وسيادة تحترم، وتخضع للقوانين الدولية. وأيضاً أعادونا إلى ما قبل عام 1945، حين لم تكن هناك قوانين دولية، ولا نظام قواعد، ولا مؤسسات تحمي الشعوب أثناء الحروب، كاتفاقيات جنيف الأربع، ولا حتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وإذا شئت الدقة، فإنهم يعودون بنا أيضاً إلى ما قبل تشريع الدبلوماسية الحديثة، عبر اتفاقيات فيينا 1815، التي وضعت أساس الدبلوماسية بين الدول في العصر الحديث، وتأكدت أيضاً في فيينا عام 1961، وهي السلاح المهم بين دول العالم.
صحيح أن القانون الدولي ما بعد عام 1945 لم يطبق كما ينبغي، لكن على الأقل صاغ شكلاً قانونياً بين الدول، وكان يرتكن إليه في الأزمات الكبرى، وقد منع بالفعل حروباً وكوارث في أكثر من محطة عالمية. وصحيح أيضاً أن الدول الكبرى التي تتمتع بحق النقض هي التي استفادت من تطويع القانون الدولي، ومجلس الأمن لمصالحها، لكن هذا الشكل كان مقبولاً في جوانب أخرى على المسرح الدولي، كمعاقبة الدول التي تخترق سيادة الجيران أو التي تعتدي على الشعوب، كحالة العراق في غزو الكويت، وأيضاً تلك التي تخترق حقوق الإنسان، واضطهاد الأقليات والعرقيات. ونتذكر هنا يوغوسلافيا السابقة، وهناك عشرات الحالات، مثل بوروندي ورواندا.
نستطيع أن نستعيد عشرات القصص التي كان للقانون الدولي فيها اليد الطولى. صحيح أنه لم يطبق بعدالة، خصوصاً في أبرز مأساة عالمية وهي القضية الفلسطينية، رغم أنه في الجانب الوثائقي والقانوني ينصر هذه القضية، ولا يزال يعترف بها، وهي الوثيقة الوحيدة التي في أيدينا نحن العرب.
إذن كانت المنظمات الدولية مهمة وذات فائدة، بينما الآن تتراجع وتختفي تحت اندفاع فائض القوة الذي يعيشه العالم الآن، مما يجعل الخرائط تعيش حالة نزيف داخلي، تتفصد عنها كل مسيرة الحضارة الإنسانية، وتتمزق معها الأفكار الكبرى، وكأننا عدنا إلى ثقافة الإغارة قبل تكوين الدولة الحديثة.
تعالوا نتجول في مسألة قوانين البحار والممرات والمضائق؛ سنجدها مهملة، وكل من يريد عرقلة مسار التجارة أو سلاسل الإمداد، يضع يده عن باطل على مثل هذه المقدرات، فلا يصيب جيرانه الأقربين وحدهم؛ بل يؤثر سلباً على حياة البشر في كل بقاع العالم. ألم نقل إن العالم كان غرفة واحدة؟
وتعالوا أيضاً نتجول في مسألة تبادل السلع والخدمات بين الدول، سنجدها قد تعرقلت بفعل السيطرة غير الشرعية على الممرات، مما يؤثر سلباً على معاش العالم من حيث التصنيع، ومن حيث تفشي البطالة، وإفقار البشر.
وأيضاً تعالوا نتجول في دروب الخرائط التي كانت مستقرة، سنراها تئن من الدواء الخاطئ، وفشل الأطباء السياسيين الذين شخصوا المريض، ووصفوا الحرب دواءً وحيداً. وها هي النتيجة، يعيش العالم نزيفاً داخلياً بطيئاً، يؤدي إلى غياب الاستقرار، والخوف من المستقبل، خصوصاً أن أسلحة العصر هي الأقسى في تاريخ صناعة الأسلحة، وبضغطة زر واحدة، قد يتحول هذا النزيف إلى انفجار هائل، تنتهي معه الخرائط والحياة. فهل ثمة من يفكر مرتين قبل أن يضغط على الزناد؟ وهل هناك من يستبق الأحداث، لينقذ خرائط العالم من النزيف الداخلي؟ أظن أننا في حاجة إلى تفكير خارج الصندوق.