توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صفقة غزّة: مراسم دفنٍ لزمنٍ مضى

  مصر اليوم -

صفقة غزّة مراسم دفنٍ لزمنٍ مضى

بقلم : نديم قطيش

تختتم اتّفاقيّة وقف إطلاق النار في غزّة، وهي تعلن عن نهاية الحرب أو فصولها الأكثر دمويّة، زمناً سياسيّاً امتدّ لأكثر من عشرين عاماً، في الشرق الأوسط. فليس ما نشهده هو نهاية الحرب، بل نهاية الحرب كلغة سياسيّة، أُسّس بها لأسطورة أنّ الميليشيات قادرة، من غير الدول، على رسم مستقبل المنطقة إلى أجل غير مسمّى.

لا تفاوض حركة حماس الآن من موقع من رسّخ رؤيته للصراع وأدواته، بل تبحث بين أنقاض العمران والسياسة عن سبل البقاء، بعد أن استُنزِفت وجُوِّفت، وتواجه مستقبلاً تملؤه أسئلة إعادة الإعمار، والحوكمة، والشرعيّة. بيد أنّ “حماس” ليست سوى الخاسر الأكثر وضوحاً في سياق انهيار أيديولوجيّ أوسع شمل عموم ما يُسمّى محور المقاومة.
قد لا تكون صفقة غزّة هي نهاية الصراع. لكنّها بالتأكيد نهاية الكفاح المسلّح والميليشيات كمبدأ مُنظِّم للسياسة الإقليميّة

هل انتهت إدارة إيران للحروب بالوكالة؟

تتّجه كلّ حرب بالوكالة تديرها إيران في المنطقة إلى النهاية ذاتها، حيث يجد شركاؤها أنفسهم وقد باتوا ظلالاً لوضعيّاتهم السابقة. رضخ “الحزب” قبل “حماس” لاتّفاق وقف إطلاق نار من دون أن يحقّق أيّاً من شروطه. فحرب غزّة استمرّت بعد أن أُجبر على الخروج منها، وهيكله العسكريّ دُمّر وقادته قُتلوا، والأرض التي لم تكن محتلّة قبل حرب الإسناد أصبحت محتلّة الآن، من دون أيّ أفق حقيقيّ للانسحاب منها ما لم توافق إسرائيل على أنّ شروط أمنها قد تحقّقت.

أمّا الحوثيون فسيجدون صعوبة في تبرير هجماتهم بعد أن استسلمت “حماس” لمنطق وقف إطلاق النار، بشروط إسرائيل الكاسحة، وأبرزها بقاء جيشها في غزّة. وفوق كلّ ذلك، خضعت إيران للامتحان، الذي من أجل تجنّبه، خلقت محور المقاومة، وهو الحرب المباشرة مع إسرائيل وأميركا، ليتبيّن أنّ نظريّة الردع الإيرانيّ ليست سوى ردع بالوكالة، لنظام لا يتحمّل الضربات المباشرة، ويدرك أنّ ثمن المواجهة الصريحة أعلى بكثير من إمكاناته.

ضمُّ هذه التطوّرات معاً، يشير إلى نهاية مشروع المقاومة برمّته، لا إلى مجرّد هزائم تكتيكيّة متفرّقة.

إيران وانتهاء الصّلاحيّة

لم يُسحق المشروع الإقليميّ الإيرانيّ عسكريّاً فقط، بل انتهت صلاحيّته النظريّة والعمليّة، بعد أن فشل في تحقيق وعده بنظام بديل، وسرديّة مضادّة للنموذج الغربيّ والخليجيّ. فالتدقيق في اتّفاق غزّة وبنوده العشرين، يفيد بأنّ المحور الفكريّ والسياسيّ الذي تدور حوله مداولات اليوم التالي بعد نهاية الحرب، هو فكر براغماتيّة الدولة، وليس تهويمات التشدّد اللاهوتيّ.

أوّلاً: من الملاحظات التي لم تحظَ بالتغطية الكافية خلال حرب غزّة هي أنّ العالم العربي لم ينفجر، كما دعا يحيى السنوار أو خالد مشعل. فكلّ التعاطف والسخط والاحتجاج، لم ينتج التعبئة الشاملة أو انتفاضة شعبيّة مستدامة، أرادها المحور مطيّة لتغيير التوازن السياسي في العالم العربي، لا في إسرائيل، بهدف هزّ الحكومات والدول العربيّة وإعادة رسم الحدود في البعض منها.

هذا النضج السياسيّ الجماهيريّ، هو الترجمة العمليّة لحال التخمة التي وصلت إليها المنطقة بدولها وشعوبها بحيث انتقل المركز العاطفيّ والعقليّ للسياسة العربيّة من القضيّة الفلسطينيّة إلى التحدّيات الداخليّة لكلّ دولة على حدة. ليس تفصيلاً أنّ تظاهرات الشبيبة في المغرب مثلاً لم تحصل إلّا في سياق مطالبتهم بتحسين ظروف الصحّة والتعليم. وليس تفصيلاً أنّ سوريا تفاوض إسرائيل علناً حول ترتيبات الأمن المشترك في ذروة حرب غزّة. وليس تفصيلاً أن تحتفل أغلبيّة اللبنانيّين بخروج بلدهم من حرب الإسناد التي زُجّوا فيها وسط ترحيب ضمنيّ ومعلن بنتائج الحرب الإسرائيلية على “الحزب”. وليس تفصيلاً أن ينجح الأردن، وهو الحلقة الأضعف في فريق متلقّي تداعيات حرب غزّة، في تعزيز حصانة البلد السياسيّة والمجتمعيّة، في مواجهة التحريض اليوميّ على أمن الأردن ونظامه.
سيكون الصراع المقبل صراعاً خطابيّاً في حرب السرديّات، بشأن مَن يكتب قصّة النصر، ومَن يعرِّف الهزيمة، ومَن يتصدّر أبوّة النظام الجديد

سرّعت مأساة غزّة هذا الانتقال النفسيّ، ليس لأنّ الرأي العامّ العربيّ تخلّى عن أهلها في محنتهم الأصعب، بل لأنّه تجاوز السياسات التي جعلت من غزّة قضيّة دائمة ومستمرّة.

ثانياً: تُنشئ اتّفاقيّة وقف إطلاق النار وصاية إقليميّة ودوليّة على غزّة، وربّما عموم القضيّة الفلسطينيّة، من قبل الولايات المتّحدة ودول الخليج ومصر وتركيا، لتصبح غزّة النموذج الأوّليّ لِما يمكن أن نُطلق عليه “السيادة الهجينة”: فلسطينيّة الاسم محليّاً، مدعومة ماليّاً من الخليج والمؤسّسات الدولية، مُدارة سياسيّاً من واشنطن، وتخضع لإشراف عمليّ من مجموعة من الفاعلين الإقليميّين ذوي المصالح المتضاربة، ولكن ذوي الحصص المشترَكة في الاستقرار.

البديل عن الاحتلال ليس السيادة أو حلّ الدولتين، أقلّه الآن، بل تركيب سياسي تتعدّد فيه طبقات السيادة، وتتوزّع فيه السلطة، ويتمّ التفاوض فيه باستمرار على الشرعيّة. إنّ المعركة الحقيقيّة المقبلة ليست حول مَن يسيطر على غزّة، بل حول مَن يكتب قواعد هذا النظام الناشئ، وما إذا كان سيصبح نموذجاً لمرحلة ما بعد الصراع في اليمن أو لبنان أو حتّى سوريا وغيرها.

ثالثاً: للمرّة الأولى ستُستخدم إعادة الإعمار في منطقتنا كسلاح، من خلال توظيف العقود، والأموال، ومشاريع البنية التحتيّة، وآليّات الرقابة لإعادة هندسة الحمض النوويّ السياسيّ لغزّة وعموم القضيّة الفلسطينيّة. يُراد بهذا المعنى أن يتحوّل التحديث الاقتصاديّ والإعماريّ إلى أداة مصمَّمة لنزع السلاح الأيديولوجيّ، بحيث لا يُنفَق دولار واحد في مكان لا يؤدّي إلى إعادة ترميم الروح السياسيّة والقيميّة والفكريّة لغزّة والمنطقة قبل ترميم الحجر والبنى التحتيّة. فما نحن بإزائه الآن هو عمليّة بناء دولة معقّدة تتجاوز فيها عمليّة إعادة الإعمار بُعدها الإنسانيّ والخيريّ الذي ساد في الحروب الماضية، أكان في جولات غزّة السابقة أو بعد حرب لبنان 2006.

تنوّع السّرديّات

لن يكون مستغرباً أن يزعم كلّ فاعل إقليميّ في هذا الاختبار بأنّ صفقة غزّة تثبت صحّة وجهة نظره. ستؤطّرها قطر كدليل على نجاح الوساطة. وستقدّمها الإمارات كتأكيد على جدوى التطبيع. وستوظّفها السعوديّة لدعم التحوّلات والخيارات السياسيّة المستقبليّة للمملكة. وستصرّ إيران على أنّها برهنت على أنّ المقاومة لا يمكن إخمادها بالكامل. وستعلن تركيا أنّها تستحقّ الثناء على تدخّلها الإنسانيّ. وستصفها الولايات المتّحدة بأنّها انتصار للدبلوماسية غير التقليدية للترامبية السياسيّة. وستحتفل بها إسرائيل بوصفها علماً على التفوّق الإسرائيليّ الحاسم.

سيكون الصراع المقبل صراعاً خطابيّاً في حرب السرديّات، بشأن مَن يكتب قصّة النصر، ومَن يعرِّف الهزيمة، ومَن يتصدّر أبوّة النظام الجديد.

لكن ما لا خلاف عليه أنّ مأساة غزّة، وللمفارقة، ستتحوّل إلى مسقط رأس الواقعيّة السياسيّة العربيّة الجديدة، وستقدّم نموذجاً لكيفيّة إدارة مناطق ما بعد الصراع في عصر لم تعُد فيه اقتراحات الاحتلال الدائم أو السيادة الكاملة ممكنة دائماً.

كتلة الأنقاض الأوضح في غزّة المدمّرة، هي أنقاض خطاب محور المقاومة وإجاباته القديمة. فالمقاومة ليست جوهر الهويّة، والتشدّد اللاهوتيّ بشأن أفكار الجهاد والنصرة ليس أداة أكيدة لصناعة المستقبل، والصراع الأبديّ ليس مصدراً للتماسك الوطنيّ.

قد لا تكون صفقة غزّة هي نهاية الصراع. لكنّها بالتأكيد نهاية الكفاح المسلّح والميليشيات كمبدأ مُنظِّم للسياسة الإقليميّة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صفقة غزّة مراسم دفنٍ لزمنٍ مضى صفقة غزّة مراسم دفنٍ لزمنٍ مضى



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt