توقيت القاهرة المحلي 12:59:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بلاد ما بين الجنازتين

  مصر اليوم -

بلاد ما بين الجنازتين

بقلم : نديم قطيش

ليس من العدل مقارنة غيابين، تماماً كما لا يُقارن حضوران. فإذا كان الميل إلى المقارنة يبدو بدهياً، وهو بديهي بالفعل، في لحظة التزامن بين الجنازة المؤجلة لحسن نصر الله، زعيم ميليشيا «حزب الله»، والذكرى العشرين لجنازة رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، فإن ما يُغفل في العادة هو أن المقارنة، مهما بدت دقيقة، تفترض تماثلاً بين كيانين لم يكونا متماثلين أصلاً، وتلغي التعقيدات التي تفصل بين تجربتين ظاهرهما متشابه وجوهرهما لا يكاد يلتقي.

وما يُفاقم هذا القصور أن المقارنة سرعان ما تصير آلية لاختزال الظواهر بدلاً من أن تكون وسيلة لفهمها عبر تحويل التحليل إلى عملية إسقاط صرفة. لكن للقدر منطقه القاسي، وللمصادفات طريقتها في رسم المعاني التي تفلت عادةً من التحليل المباشر، كما هو الحال في تلاقي الجنازتين.

مصادفة التوقيت تفرض سؤالاً لا مفرّ منه: كيف تحوّل غياب الحريري امتداداً لحضوره السياسي والمعنوي طوال عقدين، في حين أن نصر الله، وهو الذي أمضى حياته في صناعة فائض الحضور في يوميات اللبنانيين، غاب أو يكاد عن أي نقاش حول مستقبل لبنان ومستقبل حزبه؟

لم يكن اغتيال رفيق الحريري مجرد نقطة في مسار سياسي، بل لحظة انفتاح مشروعه على احتمالات جعلت منه، رغم غيابه، حضوراً متجدداً، لا بوصفه ذكرى تُستعاد كل عام، بل بصفته منهجاً يفرض نفسه، عند كل منعطف، في صياغة الخيارات التي لا تزال تتصارع عليها البلاد. بقي مشروع الدولة الذي مثّله – رغم كل المحاولات لإجهاضه أو تحويره – نقطة استدلال عند كل نقاش حول الاقتصاد والسلطة والمستقبل، على النحو الذي جعل من اسمه الثابت الأبرز في قاموس السياسة في لبنان.

في المقابل، بدا اغتيال نصر الله إعلاناً صريحاً عن استنفاد اللحظة التاريخية لوظيفته ومشروعه وحروبه وخياراته، إن كان بمعنى التراجع المرحلي ومحاولات إعادة التموضع اليائسة لحزبه، أو بالمعنى الأبلغ أثراً لتحوّل الحزب من قوة صاعدة إلى إرث ينتمي إلى ماضٍ يتقلّص.

ستستدعى تجربة نصر الله، كلما استُعيد النقاش حول تجربة الصراعات الكبرى، لا بوصفه خياراً يفرض نفسه، بل بوصفه نموذجاً لحقبة وصلت إلى نهايتها، ولا ينبغي تكرارها.

ليس من باب الصدفة أن النظام السوري الذي نجا من كل محاولات إطاحته لعقد كامل، لم ينجُ من الفراغ الذي خلّفه اغتيال نصر الله. سبعون يوماً كانت كافية لكي تترجم خسارة «حزب الله» إلى انهيار الأسد، كأنه استكمال موضوعي لصفحة تطوى في تاريخ المنطقة.

اغتيال نصر الله، بوصفه مركز الثقل لاستراتيجيات إيران، والرجل الذي أعادت طهران عبره رسم موازين القوى في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق، ليس حدثاً عابراً، بل قاطرة دفعت بانهيارات متسلسلة. فقد المحور بوصلته، ووجدت إيران نفسها في موقف دفاعي غير مألوف، بعدما كانت تمسك دوماً بناصية قرار المواجهة. ووجد «حزب الله»، الذي لطالما عُرف بقدرته على التأقلم، أنه أمام معادلة جديدة لا يملك أدوات التعامل معها: زعيم غائب، قرار مرتبك، قاعدة شعبية أنهكها الاستنزاف، وتحالفات إقليمية باتت أكثر هشاشة مما تبدو عليه.

ولئن ساد الاعتقاد لسنوات أن مصير لبنان لا يُرسم إلا على إيقاع التحولات الكبرى في طهران، وأن تربته لا تنتج إلى ما يزرع خارجها، بات من الواجب، أخذاً بالوقائع الأخيرة بوصفها البرهان الأكثر جلاءً، إعادة النظر في هذه المسلّمة. لم يكن التغيير الذي هزّ المنطقة نتيجة قرار دولي ولا امتداداً لتسوية إقليمية، بل لحظة انكسار داخلي، حيث بدأ الانهيار من الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أن يتمدد إلى الخارج. سقط المحور لا لأن معادلات القوى الكبرى فرضت ذلك، بل لأن الرأس الذي كان يُمسك بتوازناته قُتل، ليكشف غيابه عن أن ما بدا كتلة صلبة لم يكن، في جوهره، إلا بناءً قائماً على وهم الاستمرارية المستحيلة.

من يراقب خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع، ومن يدقق في تفاصيل النص السياسي في لبنان، أكان خطاب قسم رئيس الجمهورية جوزيف عون، أم تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام، سيعثر بين مفردات السيادة والاستقلال والاقتصاد والتنمية، على نبرة صوت رفيق الحريري، كأن جنازته في فبراير (شباط) 2005، كانت لحظة إعلان شعبي أنه مقدر لغيابه أن يصبح بداية لحضور آخر، أعمق وأطول عمراً.

في المقابل، جنازة نصر الله تبدو محطة أخيرة في مسار تراجع بدأ قبل سنوات. وداعه سيكون إقراراً بأن الزمن الذي مثّله قد انتهى. فالسؤال لا يدور حول مستقبله، بل بات يطرح بشأن جدوى بقاء الحزب نفسه فكرةً وكياناً.

التاريخ ليس نصاً يُكتب بأيدي أصحابه وحدهم، بل هو الخلاصات التي تترسب حين يتوقف الصخب. ليس صعباً أن نتوقع أي الرجلين سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة لبنان، وأيّهما سيكون مجرد سطر في أرشيف النزاعات المنسية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بلاد ما بين الجنازتين بلاد ما بين الجنازتين



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt