توقيت القاهرة المحلي 06:47:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحلة أدهمية إلى أمريكا

  مصر اليوم -

رحلة أدهمية إلى أمريكا

بقلم: د. محمود خليل

ربما يكون نجيب محفوظ قد وضع يده على إحدى العقد الأدهمية التى حكمت شخصية سيد قطب، وهى عقدة التمكن من لغة أجنبية. فأغلب المفكرين والأدباء من أداهم عصره كانوا يجيدون واحدة أو أكثر من اللغات الأجنبية، مثل طه حسين والعقاد. وقد ذكرت لك أن عدم الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية كان واحداً من أسباب نقمة سيد قطب على نظام التعليم بكلية دار العلوم، وقد طالب أكثر من مرة بتطويرها فى هذا الجانب. وقد واتته فرصة كبيرة لتعويض هذا النقص فى تكوينه عندما وافقت وزارة المعارف على سفره فى بعثة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قضى ما يقارب السنتين هناك، ولا نستطيع أن نقرر على وجه التحديد مدى استفادة «قطب» من هذه الفرصة، لكن كتابات عديدة، بما فيها مقالات كتبها بنفسه حول تجربته فى أمريكا، تشير إلى أنه خاض رحلته بمنطق العداء وليس الاكتشاف أو التعلم، وأنه كان يشعر أنه أكبر من أن يجد فى هذا المجتمع ما يضيف إليه أو ما يفيده.

يشير سيد قطب فى اعترافاته فى قضية 1965 إلى أنه لاحظ أن الصحف الأمريكية احتفت باغتيال حسن البنا عام 1949 بصورة استوقفته وجعلته يتساءل حول موقف الغرب من الإسلام، وأن فرحته باغتيال مرشد الإخوان دليل على أنه يتآمر على العالم الإسلامى ولا يريد أن يبرز بداخله جماعة أو حركة تعيده إلى جوهر الإسلام. وإذا أخذنا فى الاعتبار أن سيد قطب كان يحكى عن واقعة حدثت بعد أشهر قليلة من سفره عام 1948 فإن ذلك يعنى أنه بدأ التجربة بالعداء. نشر سيد قطب فى مجلة «الرسالة» مقالات ثلاثة تحت عنوان «أمريكا التى رأيت» رسم فيها صورة للولايات المتحدة من وجهة نظره.

عرض سيد قطب لأمريكا صورة ثلاثية الأبعاد، قاعدتها «الآلة». فالآلة هناك هى أساس العمل وهى تعكس التطور العلمى والتكنولوجى الملحوظ فى هذا البلد، حتى الإنسان الأمريكى نفسه يعمل مثل الآلة. والضلع الأول الذى يخرج من طرف هذه القاعدة يتمثل فى عدم احترام الموت أو تقديسه، أما الضلع الثانى فيتحدد فى الولع بالجنس. وفى ضوء هذه الثلاثية يحكم سيد قطب على المجتمع الأمريكى بالمادية والخواء الروحى والقيمى والاستخفاف بفكرة الدين، وأن البشر هناك تحولوا إلى مجموعة من الآلات التى لا تشعر ولا تحس. والقارئ لمقالات سيد قطب عن الحياة الأمريكية يشعر بمجموعة المشكلات التى تحكم نظرته إلى الظواهر والأشياء. وأولها عدم الاهتمام بالفروق الثقافية بين المجتمعات. ذهب سيد قطب إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعقل شرقى ففاجأه ما يرى من سلوكيات مختلفة عن المجتمع الذى جاء منه فأخذ يحاكمه بمعاييره الشرقية، ولم يفهم أن الحكم على قيم أى مجتمع أساسه اتساق أفراده معها من عدمه. والأمريكى شأنه شأن الشرقى متسق مع طبيعة مجتمعه. المشكلة الثانية تتمثل فى الاستخفاف بما لا يصح الاستخفاف به، فقد استهان سيد قطب بالتطور العلمى والتكنولوجى السائد فى المجتمع الأمريكى، ولم يتوقف أمام حقيقة أن تفوق الغرب فى هذين المجالين كان السبب فى استعمار البلد الذى جاء منه حتى اللحظة التى كان يسطر فيها مقالاته. المشكلة الثالثة تتعلق بهدف بعثة سيد قطب إلى الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل فى الوقوف على النظم التعليمية والتربوية هناك لإعداد تقرير يؤسس لتطوير التعليم فى مصر. والمتتبع لما كتبه سيد قطب عن زيارته التى استغرقت سنتين للولايات المتحدة لا يكاد يظفر بسطر واحد حول هذا الموضوع.

تجربة سيد قطب فى الولايات المتحدة كانت تجربة دفاعية إلى حد كبير، فقد عبّأ نفسه بكل الموروث الشرقى، وتدثر به، رغم ما كان يوجهه له من نقد فى بعض الأحوال وهو يعيش فى مصر، إلا أنه تمسك به كل التمسك وأخذ يجلد المجتمع الأمريكى به. وعندما عاد إلى القاهرة كان قد نسى تماماً مشروعه كناقد أدبى ومحاولاته كشاعر وروائى، ويبدو أنه فكر فى أمر نفسه وراجع مسيرة حياته خلال فترة وجوده فى الولايات المتحدة فأدرك أن ما حققه فى مجالى النقد والأدب لم يشبع طموحه ولم يحقق حلمه فى أن يكون أميراً للشعر كما كان «شوقى» أو أستاذاً وصاحب مدرسة علمية وفكرية مثل «طه حسين» أو ملكاً متوجاً على عرش الفكر والثقافة كما كان «العقاد». ويبدو أن حالة الحفاوة التى استقبل بها الإخوان كتابه «العدالة الاجتماعية فى الإسلام» قفزت فى ذهنه فى ذلك الوقت، فاختار الجلوس على عرش الجماعة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحلة أدهمية إلى أمريكا رحلة أدهمية إلى أمريكا



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt