بقلم: د. محمود خليل
تحولت قرية «قوز عوض الله» بولاية النيل الأبيض بالسودان إلى «بحيرة». سيول عارمة هطلت بالولاية منذ عدة أيام أدت إلى انهيار «سد بوط»، أحد السدود الحاجزة للمياه، فانسابت إلى بيوت الأهالى فهدمتها وشردت ساكنيها، وبعد أن كان الناس يتحركون بين دروبها ترجلاً، إذا بهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى السباحة.
لا توجد قوة فى الحياة تعادل قوة الماء. الألماس هو أصلب معدن فوق سطح الأرض لأنه يتكون من عنصر الكربون بشكل كامل، وبسبب صلابته تلك لم يستطع البشر أن يأتوا بمعدن أصلب منه ليقوم يتقطيعه. «الماء» كان الحل، حيث يتم ضغطه بمعدلات معينة ليتولى تقطيع الألماس وتشكيله. الماء المضغوط أقوى من أى معدن، مهما كانت صلابته أو قساوته. لذا كان من الطبيعى أن يكون الماء أصل الحياة: «وجعلنا من الماء كل شىء حى». كما مثّل الماء أيضاً أداة الخالق لمعاقبة البشر، حين اجتاحها الطوفان فى عهد نبى الله نوح.
طوفان من نوع آخر اجتاح أرض «الغلابة» من أبناء قرية «قوز عوض الله» بالسودان، فدمر حياتهم. المشاهد التى تنقلها وسائل الإعلام من هناك مشاهد موجعة، لا يعادلها فى البؤس سوى تلك المشاهد التى كانت تعرض تأثيرات الجفاف على البشر. فالماء المنضبط المحكوم هو السر الحقيقى للحياة، لأن انفلات الماء طوفان.. وشحه جفاف. وكلاهما هلاك للبشر. وكل شىء فى هذه الحياة يحمل وجهى النعمة والنقمة. وكما كان ماء قناة السويس مانعاً يحول بين المصريين وتحرير أرضهم بعد عام 1967 فقد تحول إلى نعمة على يد المهندس اللواء باقى زكى يوسف عندما تفتق ذهنه عن فكرة فتح الثغرات فى خط بارليف بضخ مياه القناة بقوة معينة على الساتر الترابى.
الماء أكثر الأشياء حاجة إلى الضبط والانضباط، والمأساة التى تعيشها قرى السودان ليس مردها السيول فى ذاتها، بل جاءت نتيجة انهيار «سد بوط» وهو أحد السدود الحاجزة للمياه. ولعل المسئولين بهذا القُطر الشقيق يستوعبون الدرس ويفهمون مخاطر انفلات الماء على حياة السودانيين. لعلهم يستوعبون خطورة التميُّع فى المواقف وعدم التعامل الحاسم مع قضايا مصيرية. إهمال الصيانة والمراجعة المستمر مثّل السبب الأكثر وضوحاً لانهيار «سد بوط». والآن يدفع أبناء الشعب السودانى الطيب المنتشرون داخل القرى المحيطة به ثمن إهمال الحكومة.
لقد عاش أهالى قرى النيل الأبيض مأساة شبيهة عام 2013 عندما اكتسحتها السيول وجرفت بيوتهم ومخزونهم من الطعام وأوقفت الدراسة بالمدارس، ويعنى ذلك أن ما حدث فى 2020 بالولاية نفسها يجد جذوره فى إهمال 7 سنوات يعلقه السودانيون برقبة الحكومات المتعاقبة التى لم تكترث بتأمين حياتهم، بعد أن تحولت قراهم إلى بحيرات، أخذ ينادى أهلها ويصرخون مستغيثين دون أن يأبه لهم أحد، فكانت النتيجة تشكُّل بحيرة أكبر فى قرية جديدة بعد انهيار «سد بوط» وما زال أهل البحيرة ينادون ويطول نداؤهم ولا يجدون غير الصدى!.