بقلم: د. محمود خليل
تُعد المعركة التى خاضها «الحجاج بن يوسف الثقفى» مع «عبدالرحمن بن الأشعث» واحدة من أشرس المعارك التى أكدت الدور المحورى لـ«الحجاج» فى تعضيد ملك «بنى أمية». ظهر الأشعث على مسرح الأحداث ما بين عامى 80 و82 من الهجرة، حين اختاره «الحجاج» قائداً للجيوش التى سيّرها من الكوفة والبصرة لقتال «رتبيل» ملك الترك. وقد نجح الأخير فى ذلك وسقطت العديد من المدن فى حجره، وغنم الكثير، وأصبح على مقربة من المواجهة المباشرة مع «رتبيل»، لكنه قرر فجأة التوقف وتأجيل المواجهة إلى العام التالى، وأبلغ الحجاج بذلك.
كان «ابن الأشعث» قائداً محنكاً لم يُرد أن يُثقل جنوده بالغنائم التى غنموها من مدن تركية عديدة تمكنوا من فتحها، ولا يرهقهم من أمرهم عسراً، ويجهدهم بصورة قد تؤدى بهم إلى الهزيمة فى المعركة الفاصلة التى كان سيلاقى فيها «رتبيل» ملك الترك، لكن كان لـ«الحجاج» رأى آخر، حين رفض ما قرره «ابن الأشعث». كلا القائدين كان يضمر الشر للآخر، ويريد أن يدير الأمور برأسه بعيداً عن قرارات أو وجهات نظر الآخر. وقد بدا كلاهما متشبثاً برأيه. «ابن الأشعث» يرفض التوغل فى الأراضى التركية و«الحجاج» يصر على المواصلة. رد الحجاج على قرار «ابن الأشعث» بالتوقف مستهجناً رأيه ومستضعفاً عقله، ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب، ويأمره حتماً بدخول بلاد رتبيل، ثم أردف ذلك بكتاب ثانٍ ثم ثالث مع البريد، وكتب فى جملة ذلك: «يا ابن الحائك الغادر المرتد، امضِ إلى ما أمرتك به من الإيغال فى أرض العدو، وإلا حل بك ما لا يطاق».
جمع «ابن الأشعث» رؤوس أهل العراق، وقال لهم إن الحجاج قد ألحّ عليكم فى الإيغال فى البلاد التى قد هلك فيها إخوانكم بالأمس، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد فانظروا فى أمركم، أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأياً رأيته بالأمس، فثار إليه الناس وقالوا: «لا، بل نأبى على عدو الله الحجاج ولا نسمع له ولا نطيع». قرر أصحاب «ابن الأشعث» مبايعته عوضاً عن الحجاج، ولم يذكروا خلع عبدالملك بن مروان (الخليفة الأموى حينذاك)، وبعث ابن الأشعث إلى «رتبيل» فصالحه على أنه إن ظفروا بالحجاج فلا خراج على رتبيل أبداً. وبدأت رحلة تمرد «ابن الأشعث».
سار «ابن الأشعث» بالجنود الذين معه إلى «الحجاج» ليقاتله ويأخذ منه العراق فلما توسطوا الطريق قالوا: إن خلعنا للحجاج خلع لابن مروان، فقاموا بخلعهما وجددوا البيعة لابن الأشعث فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله، فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع ابن مروان كتب إلى عبدالملك يُعلمه بذلك ويستعجله فى بعث الجنود إليه، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة. وبلغ «المهلب بن أبى صفرة» خبر ابن الأشعث فكتب إليه يقول: «إنك يا ابن الأشعث قد وضعت رجلك فى ركاب طويل. أبقِ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم». وكتب «المهلب» إلى «الحجاج» قائلاً: «أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر من علو ليس شىء يرده حتى ينتهى إلى قراره. وإن لأهل العراق شدة فى أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شىء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم وينبسطوا إلى نسائهم ويشموا أولادهم، فواقعهم عندها فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله».
لم يسمع الحجاج لنصيحة «المهلب» فلم يصبر على أهل العراق المحيطين بـ«ابن الأشعث» حتى يسترخوا لدى أهليهم، وأسرع إلى الهجوم عليهم مستعيناً بالمدد الذى وصل إليه من الخليفة عبدالملك بن مروان، فهُزم الجيش الأموى هزيمة منكرة، وانطلق الحجاج هارباً لا يلوى على شىء حتى أتى الزاوية، فعسكر عندها وجعل يقول: «لله در المهلب، أى صاحب حرب هذا!؟».