توقيت القاهرة المحلي 12:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«رب الإبل» و«الأحباش»

  مصر اليوم -

«رب الإبل» و«الأحباش»

بقلم: د. محمود خليل

لعلك تذكر العبارة التى قالها عبدالمطلب بن هاشم، جد النبى صلى الله عليه وسلم، فى مواجهة «أبرهة» الحبشى الذى غزا مكة ساعياً إلى هدم البيت الحرام. فقد أنكر «أبرهة» حديث عبدالمطلب عن الإبل التى سلبها الأحباش منه، دون أى إشارة إلى موضوع البيت الحرام الذى جاء لهدمه. فرد عليه عبدالمطلب قائلاً: «أنا رب (أى صاحب) الإبل.. أما البيت فله رب يحميه».

لا خلاف على أن عبارة «عبدالمطلب» تعكس إيماناً راسخاً برب البيت، لكن سعيه إلى استرداد الإبل التى أصابها جنود أبرهة تعكس حرصاً عميقاً على مصالحه المالية. وهو أمر تربى عليه أهل قريش. هذه «الثقافة المصالحية» تشكل ركناً مهماً من أركان الشخصية البدوية، وبالتالى تجدهم منذ فترة مبكرة أقرب إلى الإيمان بالمقولة التى تقول: لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل توجد مصالح دائمة. لذلك لم يكن مستغرباً أن تستقر علاقة العرب بالحبشة، رغم تحرك «أبرهة» لهدم البيت الحرام، عندما وجدوا أن «المصلحة» تفرض عليهم ذلك.

التآمر جزء من تركيبة الشخصية الحبشية. ويحكى التاريخ أنه بعد سيطرة الحبشة على اليمن نشب صراع عنيف على السلطة بين كل من «أرياط» و«أبرهة»، وأصبح من المحتم وقوع مواجهة دامية بينهما، فلما شعر «أبرهة» بذلك دعا «أرياط» إلى مبارزة حرة بالحراب، يتخلص فيها أحدهما من الآخر. ومن يحيا بعد هذه المواجهة الدامية ينحاز إليه الجند المناصرون للآخر، حتى لا ينتهى الأمر بالجيش الحبشى إلى أن يفنى بعضه بعضاً. استجاب «أرياط» لدعوة «أبرهة»، وبدأت المبارزة الحرة. بدا «أرياط» أكثر تفوقاً، وقذف أبرهة بالحربة فوقعت على جبهته فشرمت عينه وحاجبه وأنفه، لكن الأخير كان ذا حيلة، إذ كان قد اتفق مع غلام له اسمه «عتودة» بأن يدركه إذا تفوق عليه «أرياط»، وكان له ما أراد، فما إن شعر «عتودة» بـ«أرياط» وقد أوشك على قتل «أبرهة» حتى طعنه من الخلف طعنة غادرة بخنجر فى يده، لقى على أثرها حتفه، ودان الأحباش بالطاعة لـ«أبرهة»، ورغم ذلك فقد ظل القلق يمزقه بسبب موقف «النجاشى» منه.

وكان «نجاشى» الحبشة قد غضب غضباً شديداً عندما علم بمقتل «أرياط» على يد غلام «أبرهة»، وأقسم ألا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته (أى يحلق له شعر رأسه)». أخذ أبرهة يفكر فى الأمر ويبحث عن حل لهذا المأزق الذى يمكن أن يدفع ثمنه غالياً. وكان الحبشى واسع الحيلة عظيم المكر، فقرر أن يلعب لعبة على الملك، فحلق رأسه، وملأ جراباً من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشى، ثم كتب إليه: «أيها الملك: إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، فاختلفنا فى أمرك، وكل طاعته لك إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة، وأضبط لها وأسوس منه، وقد حلقت رأسى كله حين بلغنى قسم الملك، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضى ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه فىّ». فلما انتهى ذلك إلى النجاشى رضى عنه، وجعله حاكماً للحبشة مكان القتيل «أرياط».

من الطبيعى أن تتوافق الشخصية المنسوجة بخيوط التآمر، مع الشخصية التى تبحث عن المصلحة. الصراع الذى نشب بين كل من «أرياط» وأبرهة أدير بـ«التآمر» وفرض الأمر الواقع، وانتصر فيه الأسرع إلى الغدر بصاحبه. وكان من الطبيعى أن تتناغم شخصية بهذه التركيبة مع الشخصية العربية البراجماتية التى يحكمها مبدأ البحث عن المصالح، وتجد فى الشخصيات المتآمرة ساحة أرحب واستعداداً أكبر للعب معها طبقاً لهذا المبدأ. البدوى يفهم دائماً أنه «رب إبل».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«رب الإبل» و«الأحباش» «رب الإبل» و«الأحباش»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt