بقلم: د. محمود خليل
نعم هم حفدته، لكن الفارق بينهم وبين الجد الأكبر يعادل المسافة ما بين السماء والأرض. أحدثك عن العلاقة بين «كعب الأحبار» ومجموعة الشخصيات التى تتسكع هذه الأيام على أرصفة ومنصات التواصل الاجتماعى تتحدث عما أطلقوا عليه «علوم آخر الزمان». يحدثونك عن ملحمة ستقع فى المكان الفلانى، وستسبقها زلازل وعواصف وبراكين، يظهر بعدها «يمانى» ثم «سفيانى» ثم مش عارف مين، وفى النهاية يظهر المهدى المنتظر الذى يحمى الديار ويذود عن الأنهار ويرد سهم مَن يريد بالكنانة سوءاً إلى نحره.
اللافت فى كلام هؤلاء أن أكثر استشهاداتهم تأتى من «التوراة». وهم فى ذلك لا يختلفون عن الجد الأكبر «كعب الأحبار» الذى قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، بعدما توعده أبولؤلؤة: «أيا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت فى ثلاث ليالٍ. قال: وما يدريك؟ قال: أجده فى كتاب التوراة». عبارة سحرية لم يفتأ «كعب» يكررها هى عبارة «أجده فى التوراة». وجانب الاختلاق والتلفيق فى الواقعة واضح، فقد كان عمر بن الخطاب يعلم أن «الغيب فى علم الله وحده»، ويستوعب قول الله تعالى: «وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأى أرض تموت».
أخبار عديدة رواها كعب الأحبار صدقها بعض معاصريه، قناعة منهم بأنه يملك الحقيقة المطلقة بسبب ما يكتنزه من أوراق التوراة، وتابعهم فى تصديقه أجيال متعاقبة من المسلمين حتى يوم الناس هذا. مؤكد أن من بينهم مجموعة المتسكعين على منصات التواصل.
كشف «كعب الأحبار» عند وفاته أنه يملك نسخة صحيحة من التوراة، خلافاً لما يقول به القرآن من تعرض الكتاب الذى أُنزل على موسى للتحريف، ويبدو أن بعض كبار المؤرخين صدقوه فى ذلك، حتى من تشكك فيه، لم يتلكأ فى النقل عنه، جرياً وراء الرغبة فى الحشو، وتتبع الحكايات بغض النظر عن وجاهتها العقلية، لكن ذلك لم يمنع بعض الصحابة من فضحه ومواجهته، أبرزهم كان «أبوذر الغفارى» الذى كان ينعته بـ«ابن اليهودية».
«ابن اليهودية» هذا -على حد وصف أبى ذر- كان شخصية خطيرة، لم يتوقف خطرها عند دس الإسرائيليات فى عقل ووجدان المسلمين، بل تجاوزها إلى ما هو أبعد، حيث لعب دور «المشير» فى حياة العديد من الخلفاء، رغم إسلامه المتأخر، أبرزهم عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- الذى تنبأ «كعب» باغتياله قبل الواقعة بثلاثة أيام، وكان له الدور نفسه فى حياة عثمان. ظهر «كعب» بقوة فى كل حكايات الدم وأحداث الاغتيال السياسى للخلفاء الذين عاصرهم، ليس ذلك وفقط، بل لقد تنبأ بحكايات دم أخرى وقعت بعد وفاته، كما يحكى المؤرخون. عاش «كعب الأحبار» مؤثراً أشد التأثير فى معاصريه بتلك العبارة السحرية التى لم يكن يفتأ يكررها: «أجده عندى فى التوراة». ومن عجب أن تأثيره لا يزال عابراً للأجيال، رغم أن من يفتش فى كتب التراث، لا يجده مستشهداً بالقرآن إلا فيما ندر!.