بقلم: د. محمود خليل
مظاهرة الحزن والترحم على روح الدكتور «محمد مشالى» -أظلته سحائب الرحمة وأنوار المغفرة- تليق برجل لم يعِش لنفسه بل لغيره، وكان جوهر إحساسه بالحياة هو العطاء للآخر. كتبت عن الراحل الكريم أوائل شهر مايو الماضى مقالاً بعنوان «عالم الغلابة» قلت فيه: «الدكتور محمد مشالى الملقب بـ«طبيب الغلابة» تحول إلى نجم من نجوم الإعلام والتواصل الاجتماعى. الرجل تبدو عليه أمارات الطيبة والإخلاص لما يؤمن به، والاحتفاء به يبدو أمراً طبيعياً بحكم النموذج الفريد الذى يقدمه. فمنذ أن قرأنا أو سمعنا عن حكايات الدكتور أنور المفتى وعطائه غير المحدود للمريض المصرى لم نسمع بتجارب شبيهة حتى برز على الساحة نموذج الدكتور محمد مشالى. فسعر الكشف عنده لا يزيد على 10 جنيهات وهو رقم زهيد للغاية قياساً إلى أسعار غيره من الأطباء، بمن فى ذلك الأطباء محدودو الشهرة أو الكفاءة».
ردود الفعل على رحيل الرجل النبيل تنبئ عن نوعين من التجارة يسودان حياتنا: أولهما تجارة محدودة السوق قليلة التجار، وثانيهما تجارة واسعة السوق يتزاحم على أبوابها عدد أكبر من خلق الله، وقد بادر التجار من الصنفين إلى التعبير عن قيمة وقامة الراحل. إحساسى بالرجل أنه لا يريد هذا ولا ذاك. فأمثاله اختاروا طريقهم فى الحياة منذ اللحظة الأولى التى تفجر فيها وعيه بما حوله ومن حوله. اختار «مشالى» طريق «التجارة مع الله». وما أعظمها وأعزها من تجارة.
يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ». «مشالى» اختار سكة التجارة مع الله والطريق الحقيقى للجهاد فى سبيل الله، وهو الجهاد فى سبيل الحياة، والدفاع عن حياة الآخرين، والتخفيف من آلامهم، ومواساة أحزانهم. تلك السكة وهذا الطريق لا يقوى عليهما إلا أولو العزم من الرجال الذين يبحثون عن الجائزة الكبرى: «ورضوان من الله أكبر». رضوان الله هو الجائزة التى بحث عنها «مشالى» ويحلم بها من دخلوا معه تلك السوق المربحة: سوق «التجارة مع الله».
البعض يختار طريقاً آخر يجده فى «سوق التجارة مع البشر»، فيستثمر الأشخاص والأحداث من أجل الظهور فى «الكادر» وتحقيق مكاسب صغيرة. لم يرد «مشالى» شيئاً من الدنيا، حتى حين أرادته، واتجهت إليه وسائل الإعلام من كل حدب وصوب تجرى معه اللقاءات، وبادرت بعض الجهات إلى تكريمه، لم يرد الرجل شيئاً ولم يكن يأبه بذلك، ولعلك تذكر اللغط الذى أثير حول ما يرتديه من ملبس أثناء إحدى حفلات التكريم. لم يلتفت البعض إلى أن الرجل لم يكن بذلك الصخب الذى اشتعل فجأة حول شخصه النبيل، فقد اختار طريقه منذ البداية وسار فيه حتى لقى وجه ربه الكريم. نسأل الله تعالى أن يمنحه جائزته، وأن يكثر فى بلادنا النماذج الشبيهة به: «وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ».