بقلم: د. محمود خليل
أثناء تجولك على مواقع التواصل يُحتمل -إن لم يكن من المؤكد- أن تكون صادفت «روشتة» موقَّعة باسم طبيب تشتمل على بروتوكول علاجى يمكن للمريض أن يعتمد عليه فى مواجهة فيروس كورونا، ربما تكون قد صادفت أيضاً صفحة تعرض أرقام تليفونات لعدد من الأطباء يعالجون مرضى «كورونا» بالمجان ولوجه الله الواحد الأحد من خلال وصف أدوية بعينها. تدوينات بـ«روشتات» وأرقام تليفونات تنتهى بعبارة «انشرها فى الخير»، فتكتسب زخماً أكبر لتنتشر أسماء أدوية الوقاية أو العلاج انتشار النار فى الهشيم. والنتيجة أن ينزل الناس سريعاً إلى الأجزاخانات لشراء الأدوية المذكورة. وإذا تواصلت بعد ساعة واحدة مع أى صيدلية تسأل عن أحد هذه الأدوية فسيرد عليك الصيدلى: «جبرنا». والنتيجة أرباح هائلة تجنيها مافيا الأدوية المحلية التى تعمل بالطبع ضمن شبكة عالمية. تبدو الصفحات المروجة لهذه الروشتات والبروتوكولات العلاجية وكأنها تعمل من خلال ميليشيات إلكترونية منظمة وممنهجة.
مسألة استغلال المريض قديمة، ويعلمها العاملون فى مجال الطب والدواء. منذ سنين طويلة، ومندوب شركة الأدوية ضيف دائم على أى طبيب، ومؤكد أن كثيراً ممن زاروا طبيباً لاحظوا ذلك. المندوب يسوّق للدواء الذى تحتكره شركة معينة، ويقنع الطبيب بكتابته فى الروشتة كبديل لدواء آخر رخيص. والثمن موجود ويقبضه الطبيب كاملاً مادياً أو عينياً فى شكل رحلات وجولات ونفحات وخلافه. إنها لعبة كبرى تؤسس لها شركات الأدوية العابرة للجنسيات، وتعمل فى معيتها شبكات محلية تتناثر فى جميع دول العالم. أدوية رخيصة تختفى وتحل محلها أدوية بديلة باهظة الثمن، تحقق أرباحاً خيالية للمستثمرين فى هذا المجال. والضحية هو المواطن.
حتى اللحظة لم يصل العالم بكل ما كنزه من علوم ومعارف وكل ما أبدعه من تكنولوجيا عبر عقود طويلة، إلى لقاح أو حتى بروتوكول ثابت لعلاج أعراض فيروس كورونا. روشتات لا حصر لها طُرحت فى السياق الأخير، وما أن تطرح إحداها حتى تختفى كل الأدوية المذكورة فيها من الصيدليات. فهل يمكن أن نفسر التأخر فى الاستقرار على بروتوكول علاج حتى الآن بالرغبة فى إتاحة الفرصة لكنس الأدوية الموجودة حالياً؟.
نسمع يومياً أخباراً عن أفراد أو مؤسسات يزعمون أنهم توصلوا إلى لقاح للتحصين ضد «كورونا». فهذا خبر يحدثك عن لقاح أوشكت الصين أن تتوصل إليه وسوف تتيحه كمنفعة عامة لشعوب العالم، وذاك يحدثك عن مركز روسى أوشك على الوصول إلى لقاح، وآخر يحمل لك تصريحاً على لسان «بيل جيتس» يقول لك إن اللقاح فى الطريق. جعجعة كثيرة، لكننا لا نرى طحيناً. وأخشى أن أقول إن التلكؤ فى الوصول إلى لقاح محصن أو علاج فعال فى مواجهة الفيروس مرده المطامع وليس العجز أو عدم القدرة العلمية. ويبدو أن «الشغلانة» أعجبت «مافيا الدواء» العالمية. وهى تريد أن تستفيد منها لآخر مدى، خصوصاً فى ظل ما أكدته دراسات علمية متنوعة كان آخرها تقرير صادر عن 30 خبيراً بريطانياً يقول إن هناك موجة ثانية للفيروس قد تكون أشد فتكاً، وقد رفعوا بمناسبتها تقريراً تحذيرياً لرئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون. ويبدو أن هذه الموجة تعد بـ«قرشين حلوين»!.