توقيت القاهرة المحلي 10:41:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سيف الجلاد

  مصر اليوم -

سيف الجلاد

بقلم - د. محمود خليل

الاغتيال المعنوى وتشويه صورة «أحمد عرابى» مثّل وسيلة ضمن عدة وسائل اعتمد عليها المحتل الإنجليزى فى تخريب الوجدان العام بعد سيطرته على البلاد عام 1882. فقد سعى إلى جوار ذلك نحو إغراق الشعب فى حالة «جلد للذات» أفقدت الشعب ثقته فى القدرة على التخلص من الإنجليز، إلا حين يطلع للرجل من هؤلاء شعر فى بطن يده، كما كان يُردّد الشيخ، وهو يحدّث السيد أحمد عبدالجواد فى رواية «بين القصرين».

اجتهد المحتل فى تهيئة المصريين لذلك عبر بث أفكار كاذبة ومكذوبة عن التخلف الذى يعيشه الشعب المصرى، وإحساسه التاريخى بالعجز أمام من حكمه منذ عصر الفراعنة وحتى عصر المماليك، ونظرته القدرية إلى كل شىء فى الحياة، مما يشجّعه على الاستسلام ويصرفه عن الأخذ بالأسباب، وأن على هذا الشعب أن يشكر المولى كثيراً للدور الذى يلعبه رُسل الحضارة من الإنجليز فى تطوير البلاد والعباد. لم يكن الإنجليز يكتفون بترديد هذه المقولات وغيرها بألسنتهم، بل كانوا يتعمّدون حشو عقول أو جيوب مصريين بها، ويدفعونهم دفعاً، نتيجة التأثر الثقافى أو تأثير المصالح، إلى ترديدها على آذان المصريين، فى مواجهة محاولات بعض الرموز الوطنية -مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهما- لإيقاظ الشعور الوطنى بالذات المصرية، وظنى أن هذين الزعيمين وغيرهما أهملوا دحض الافتراءات التى يزعمها مصريون أمثالهم حول جهل الشعب وعدم قدرته على أن يحكم نفسه بنفسه، وأن نظرته القدرية إلى الحياة المتولدة عن الدين تجعله بحاجة إلى من يسوقه باستمرار.

شاعت هذه الضلالات بين قطاع من المصريين، وتولدت عنها أحاسيس أدت إلى دفع الكثيرين إلى الاستغراق فى جلد الذات، ووجدوا فى ذلك مهرباً جيداً من فكرة العجز عن مواجهة المحتل وإخراجه من البلاد، وحاول هذا القطاع بكل طاقته تثبيط قطاع آخر، لم يكن يبتلع الضلالات التى يشيعها المحتل، ويتّجه إلى الثورة والمقاومة، وأحياناً ما كان يُفلح فى ذلك، وأحياناً ما كان يُخفق.

مسألة جلد الذات لم تفرّق بين مصرى متعلم وآخر غير متعلم. فالمتعلمون تماهوا مع الإنجليز، وأعجبتهم ثقافتهم وطريقتهم فى الحياة، وباتت مصالحهم مرتبطة بمصالح الأجنبى المحتل، ولكى يبرّروا تعاونهم -أو تواطئهم- اتجهوا إلى اتهام الشعب بكل نقيصة، وأظهروا قدراً كبيراً من التعالى -إن لم يكن الاحتقار أو الازدراء- على الشعب، الذى كان يوصف من وجهة نظرهم بـ«الفلاحين» المستكينين فى الظاهر، الخبثاء فى الباطن، الذين لا يشغلهم فى الحياة سوى الأكل والتكاثر.أما غير المتعلمين فقد اتجهوا كما تعوّدوا إلى إنتاج الأمثال الشعبية التى يحمل محتواها جلداً عنيفاً للذات. وظنى أن الكثير من الأمثال التى تقوم على التهوين من شأن الذات فى قاموس الحياة الشعبية المصرية، مردّها العقود السبعة التى عشناها فى ظل الاحتلال الانجليزى.

من ذلك على سبيل المثال: المثل الذى يقول «إحنا شعب زمارة تلمه وعصاية تجريه»، وشقيقه الذى يقول: «لو دخلت بلد بتعبد العجل حش وارميله»، والثالث الذى يقول: «إن جاك الغصب خده بالرضا»، والرابع الذى يقول: «مين خاف سلم».. هذه الأمثال وغيرها حملت نوعاً من جلد الذات واتهامها، بالعبثية، والجبن، والتكالب على الحياة، والاستسلام، وغير ذلك من أمور، وأسهمت هى وغيرها فى تخريب الوجدان العام، ومؤكد أن المحتل الإنجليزى كان يسعد بها كل السعادة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سيف الجلاد سيف الجلاد



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt