توقيت القاهرة المحلي 06:39:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«محفوظ».. يصور ويرسم

  مصر اليوم -

«محفوظ» يصور ويرسم

بقلم: د. محمود خليل

تجربة نجيب محفوظ فى الكتابة تقدم لنا نموذجاً للكاتب الحر الذى أبى أن يغرد إلا بما يؤمن به، وترفع عن الانحياز إلى أية سلطة، وأنفت نفسه أن يكون من حمَلة المباخر. فانحياز الكاتب الراحل كان للبشر من أهل بلاده. لذا فقد عاش حراً مستقلاً إلا عن محيطه البشرى، الذى اجتهد فى نقل أدق أحساسيه وتفاصيل تفاعلاته مع الحياة وأحداثها، مرات بالتصوير وأخرى بالرسم.

مؤكد أن نجيب محفوظ كانت له قناعاته السياسية، لكنه لم يكن جزءاً من أية سلطة. قبل ثورة يوليو 1952 كان الراحل الكريم من المؤمنين بالفكر الليبرالى، وحق كل إنسان فى أن يكون له رأيه وفكره، وحقه فى التعبير عما يؤمن به. تجد فى كتاباته ما قبل الثورة -مثل الثلاثية- احتفاء واضحاً بحزب الوفد ودوره فى الحياة السياسة فى مصر منذ عام 1919، لكنه كان أميناً فى التعبير عن التحولات التى أعقبت السقوط الجماهيرى للحزب بعد حادثة فبراير 1942 عندما تولى النحاس باشا الحكم على أسنَّة حراب الإنجليز، ووصف ما كان يعتمل فى الشارع من تفاعلات أفرزت تنظيمات جديدة ذات طابع عنيف مثل الإخوان ومصر الفتاة والتنظيمات الشيوعية، وصور الكيفية التى انسجمت بها هذه التنظيمات حينها مع المزاج الشعبى العام الذى أصبح رافضاً للمشهد وكل القوى الفاعلة التى تلعب على مسرح السياسة.

استقلالية نجيب محفوظ كانت تدفعه باستمرار إلى أن يلعب دور «المصوراتى» الذى يحمل «كاميرا» على كتفه، ويجتهد فى نقل مشاهد الواقع بشكل أمين، دون تحريف أو تزييف. لم يهرول «نجيب محفوظ» مثل غيره من المهرولين إلى مجلس قيادة الثورة بعد 1952. كبار الكتاب والأدباء والمفكرين ذهبوا وقدموا التبريكات وعبروا عن الأمنيات الطيبة لأعضاء المجلس، خوفاً أو طمعاً، الله أعلم، لكن نجيب محفوظ لم يذهب إلى أحد، بل وتوقف عن الكتابة لعدة سنوات، ثم عاد إليها ولكن بأدوات جديدة، لا تعتمد على التصوير، بل على الرسم.

العديد من روايات نجيب محفوظ خلال الستينات وجزء من السبعينات، اعتمدت على الترميز التاريخى والدينى والإنسانى، جسَّد الاستبداد فى صورة الفتوة، والشعب فى صورة الحرافيش التى لا تهتدى إلى مكامن قوتها إلا فى لحظات محدودة من عمر الحياة. رسم رحلة الإنسان فى البحث عن العدل والحياة المثالية فى «أولاد حارتنا»، وصور الإنسان الحائر فى البحث عن طريق للخلاص فى رواية «الطريق». ورسم صورة الإرهابى فى قصة «التنظيم السرى»، وصورة الانتهازى المتسلق نبت الانفتاح فى «أهل القمة».

كتابات نجيب محفوظ كانت تتراوح بين التصوير والرسم. فعندما كانت الظروف تتيح له أن يقول ما يريد، كان ينقل صور الواقع بأمانة، ويفصل بدقة كيف تفاعل وانفعل المصريون بأحداثه. ترى ذلك واضحاً فى رواية «باقى من الزمن ساعة» التى يصف أحد أبطالها الأوضاع أواخر الستينات وأوائل السبعينات قائلاً: «لقد تحولنا إلى مرحاض عمومى كبير». وعندما كانت تضيق عليه سبل التعبير كان يلجأ إلى الرمز ورسم الصور، مثلما فعل فى «الحرافيش».

رحم الله نجيب محفوظ.. الذى تمر هذه الأيام الذكرى الـ14 لوفاته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«محفوظ» يصور ويرسم «محفوظ» يصور ويرسم



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt