بقلم: د. محمود خليل
بيان خرج عن وزارة الخارجية الإثيوبية يعلن أن إثيوبيا لن توقع على أى اتفاق ملزم بشأن سد النهضة. أديس أبابا تريد التوقيع على اتفاق ودى، يتم التوافق فيه على تفاهمات معينة فيما يتعلق بملء السد وتشغيله، خصوصاً فى سنوات الجفاف، دون أن يشتمل على أى نوع من الإلزام لها أو يحدد آليات لفضّ المنازعات حال وقوعها. التصريح جاء بعد ساعات قليلة من البيان الصادر عن الاتحاد الأفريقى الذى يحث دول إثيوبيا ومصر والسودان للعمل على اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة بدعم من خبراء ومراقبى الاتحاد الأفريقى.
الأداء الإثيوبى يؤشر إلى مخاطر داهمة يمكن أن تحيق بالقارة السمراء جرَّاء الخطوات غير المحسوبة. أديس أبابا تريد أن تتحول إلى مركز من مراكز القوة على المسرح الأفريقى، وتحلم بفرض إرادتها على الآخرين. فرض الإرادة لا بد أن يستند إلى معطيات، وهو بحال مسألة لا تعتمد على الجعجعة اللفظية أو التصريحات العنترية، والعاقل من يقدّر قوة خصمه قبل أن يقدّر حجم قوته. وأكبر خطأ يمكن أن تقع فيه دولة أن تعيش وهم القوة دون امتلاك أدواتها أو معطياتها، ثم تبادر إلى اختبار قوتها. والتجربة التاريخية تقول إن أية قوة تضع نفسها فى اختبار لا بد أن تفشل.
لقد حاولت إسرائيل أن تلعب هذه اللعبة مع مصر وفشلت، فبعد نكسة 1967 ظن المسئولون فى تل أبيب أنهم هزموا مصر بالضربة القاضية، كانوا يتابعون مظاهرات 1968 التى اندلعت فى مصر عقب محاكمات المسئولين عن الهزيمة، ثم ينظرون إلى الأزمات الاقتصادية التى تعانى منها الدولة، والصراعات المكتومة والمعلنة على السلطة، ثم يرددون فى أنفسهم أن المصريين لن تقوم لهم قائمة بعد الضربة الموجعة التى أفقدتهم توازنهم، وهزت الأرض من تحت أقدامهم.
البعض كان يشارك الإسرائيليين هذا الإحساس، متناسين أن الشعب الذى امتد به العمر فوق هذه الأرض لآلاف السنين قد يمرض، لكنه لا يموت. غرور القوة الذى ساد إسرائيل تبدّد فى الهواء فى اللحظة التى انطلق فيها الجندى المصرى مدفوعاً بإرادة مؤمنة بتحرير الأرض، وتمكّن من تغيير الوضع على الأرض فى حرب 1973، مما هيأ الظروف بعد ذلك لتحرير سيناء، بعد إبرام معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
أكبر حماقة يمكن أن تقع فيها أية دولة تتعامل مع مصر هى نسيان المصريين كشعب يعرف كيف يحمى حقوقه، وكيف يرد ما انتُقص منها مهما طال الزمن، أو بعُد الطريق، أو طالت المسافة. عند ضياع الحق لا يسأل المصرى عن الأسباب التى تقف وراء ذلك، إنه يفكر فى كيفية استرداده أولاً، وبعدها لكل حدث حديث.
الخطوات الاستفزازية من جانب إثيوبيا زادت، والتصريحات المستفزة أصبحت واجباً يومياً يتبادل فيه المسئولون بأديس أبابا الأدوار، وكل ذلك يؤكد أن الإثيوبيين يلعبون مباراة صفرية، فهم يريدون الحصول على كل شىء أو خسارة كل شىء. وعلينا بعد 5 سنوات من المفاوضات أن نفطن نحن إلى هذه الحقيقة، وندرك كيف يفكر الأحباش ومن وراءهم.