توقيت القاهرة المحلي 09:09:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أيحسب أن لن يقدر عليه أحد»

  مصر اليوم -

«أيحسب أن لن يقدر عليه أحد»

بقلم: د. محمود خليل

كثيراً ما أقف متأملاً الآية الكريمة من سورة «البلد» التى تقول: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ». تلت هذه الآية سابقتها التى تقول: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ».

فسّر القدماء كلمة «كبد» فى الآية الكريمة على وجهين، يذهب أولهما إلى أنها تعنى الشدائد والمشكلات التى يواجهها الإنسان فى الحياة فتشقيه، ويرى ثانيهما أن كلمة «كبد» تعنى الشعور بالشدة وفائض القوة الذى يسيطر على إنسان معين فتشقى به الحياة، حين يعربد فيها كما شاء وشاء له الهوى، منطلقاً من إحساس بأنه قادر على غيره وأن غيره لا يقدر عليه.

كلا الصنفين من البشر يعانى. فمن يكابد شدائد الحياة ومشكلاتها يقاسى ويعانى من ضغوطها وهمومها. ومن يشعر بقوته وشدته أمام الحياة، وقدرته على تسييرها تبعاً لهواه ورغباته يعانى هو الآخر من الحماقة والاندفاع بما يترتب عليهما من نتائج.

مبدأ «الشقاء» فى الحياة هو الذى يحرك الصنف الأول: «فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى». والجهل بطبائع الحياة هو الذى يحرك الصنف الثانى الذى يتيه بإحساس القوة والقدرة على السيطرة «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد».

جوهر العلة فى تفكير الإنسان الشاعر بفرط القوة والسيطرة على الحياة، أو الآخر الذى يحس بفرط العجز أمام قهر الآخر له تجده فى مفتتح سورة الإنسان. وهى السورة القرآنية التى حملت هذا الاسم اللافت: «الإنسان». وتقول أولى آياتها «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا».

فالإنسان ليس شيئاً مذكوراً قبل الميلاد. وحين تباغته الوفاة يصبح أيضاً شيئاً غير مذكور، وكأنه لم يعش على وجه الدنيا. يتحول إلى ذكرى قد يستخلص منها البشر العبرة، وعندما يدور الزمن دورته تطويه سحائب النسيان.

جهل الإنسان بحقيقته كـ«شىء غير مذكور» هو الذى يسوقه إلى الشعور بفائض القوة، ويشحن سعيه نحو اختبار قوته من حين إلى حين، وكلما فاز فى جولة أغراه ذلك بالدخول فى الجولة التى تليها. وهكذا تسير به الحياة ويسير فى الحياة غير آبه حتى تأتيه لحظة الحساب.

أذكر أننى حدثتك عن مخاطر أن تضع قوة معينة نفسها فى موضع اختبار. إنها الحماقة بعينها. الإنسان الذى يشعر بقوة حقيقية لا بد أن يخفض للضعفاء جناح الذل من الرحمة. فالقوة الحقيقية - كما يشير القرآن - تسخّر لحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وليس لقهرهم أو دهسهم. أما القوة المزيفة فهى تلك التى تغرى صاحبها بالدخول فى معارك اختبار تمنحه إحساساً بالسيطرة على غيره، والقدرة على تخطيط مصائرهم بالصورة التى ترضيه.

القوة التى تختبر نفسها ويداخلها إحساس بأنه لن يقدر عليها أحد يحركها الجهل بحقيقة الإنسان كشىء غير مذكور أمام الزمن. المعادلة الزمنية متغيرة باستمرار.. فكل زمن وله ظروفه.. وكل جيل وله طبائعه.. وكل عصر وله مفهومه للقوة ومعطياتها.. وكل شىء فى هذه الحياة متغير.. وكل متغير يجرى عليه حكم الزمن.. والزمن مالوش كبير!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt