توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«فأووا إلى الكهف»

  مصر اليوم -

«فأووا إلى الكهف»

بقلم: د. محمود خليل

نظر الفيلسوف «فرنسيس بيكون» إلى وهم «الكهف» باعتباره من أكثر الأوهام التى تسيطر على عقل الإنسان، فتعرقله عن التفكير الموضوعى السليم. وهم الكهف يعنى ببساطة أن الإنسان -أى إنسان- هو فى الأغلب سجين نفسه بما لديها من خبرات وتجارب وتصورات للحياة والأحياء، تدفعه دفعاً إلى التحيز، فتجده يدافع باستماتة عن شخص أو فكرة أو مؤسسة، ولا يغفر لغيره انحيازه لما يضاد أو يعاكس ما يؤمن به، رغم أنه مثله تماماً يعيش داخل كهفه الخاص.

تحكى سورة الكهف قصة مجموعة من الفتية الذين آمنوا بربهم، وسط قرية أشرك أهلها مع الله آلهة أخرى. وأمام هوس القوم بمطاردة من لا يعيش داخل كهفهم، لم يجد الفتية الذين كانت لديهم قناعات إيمانية مختلفة سوى الهرب بما يؤمنون به ليأووا إلى الكهف «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا».

لم يكن «الكهف» دلالة على مجرد مكان اختبأ فيه الفتية، بل كان دالاً على معنى أعمق، يرتبط بكهف الذات التى يئست من أن يهتدى المشركون من أبناء القرية، ولم يكن هذا التفكير من الحكمة الإيمانية فى شىء. فليس من العقل أن يتصور مؤمن بفكرة أو قضية أو عقيدة أن بإمكانه هداية أحد، كما أن ليس من حقه النقمة على من يعيش أسيراً فى كهفه الخاص، لأن الهدى فى النهاية هدى الله، وليس هدى إنسان، حتى ولو كان نبياً يأتيه الخبر من السماء.

لقد كان القرآن الكريم يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى فى أكثر من آية: «ليْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ». فالخالق القدير يعلم أن كل نفس تحيا أسيرة فى كهف تحيزاتها حتى يشاء الله لها الانتقال لغيرها.

أنسى الخوف والحرص على الإيمان فتية «الكهف» هذا الدرس، فأراد الله تعالى أن يعلمهم إياه بالتجربة، وجعل مسرح الحكاية «كهفاً» حقيقياً ضرب الله تعالى على آذانهم فيه سنين عدداً، ثم بعثهم بعد مرور ثلاثة قرون وتسع سنوات، وبعد أن أفاقوا خرج أحدهم يطلب طعاماً لهم، وما إن أخرج للبائع قطع الفضة التى كانت فى جلبابه الذى تحول إلى أسمال، حتى صرخ البائع فى وجهه: لقد دُقت هذه العملة منذ أكثر من ثلاثة قرون؟. مؤكد أنك عثرت على كنز من عهد الملوك الغابرين!

فرّ الفتى والناس من ورائه حتى وصلوا إلى الكهف، وأدرك الطرفان الحقيقة، فريق الفتية وفريق الأهالى، أدرك الفتية أن القرية التى خرجوا منها آمنت، وأصبحت على دينهم، وأدرك الأهالى أن هؤلاء هم الفتية الذين تناقلت الأجيال حكايتهم، وأمام الكهف تعلم الطرفان الدرس، أن البشر أسرى تحيزاتهم، وأن الانتقال من فريق إلى فريق أمر إلهى بحت، حين تتهيأ الأسباب والخبرات والتجارب التى تدفع الفرد إلى التغير.

فى فترات الاستقطاب يكون من المفيد أن يتذكر الجميع هذا الدرس، درس وهم «الكهف» الذى يجعل كل فرد أسير قناعاته وتصوراته. مؤكد أن هذا حقه، لكنه يقع فى خطأ جسيم عندما لا يستوعب أن شريكه فى الانتماء إلى طائفة «الأوادم» يعيش هو الآخر أسيراً فى كهفه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«فأووا إلى الكهف» «فأووا إلى الكهف»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt