توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غزة... أمل هشّ ومسار صعب

  مصر اليوم -

غزة أمل هشّ ومسار صعب

بقلم : يوسف الديني

في النزاعات الطويلة، لا يأتي الأمل عادةً في صورة اختراق تاريخي مفاجئ، بل في شكل خطوات صغيرة تُعيد فتح نافذة السياسة بعد أن أغلقتها الحرب. ما يحدث اليوم في غزة يمكن قراءته من هذا المنظور؛ فالتقدم الجزئي الذي تحقق بعد المرحلة الأولى من خطة السلام لا يعني اقتراب التسوية الشاملة، لكنه يمنح فرصة حقيقية لإحياء فكرة السلام نفسها، غير أن هذه الفرصة تبقى هشة؛ لأنها مرهونة بعاملين حاسمين: جدية الأطراف المتنازعة في تنفيذ التزاماتها، وقدرة المجتمع الدولي على كبح جماح إسرائيل ومنعها من العودة إلى منطق القوة المنفردة.

لقد خلق انتهاء المرحلة الأولى من الخطة، وعودة الرهائن، وإعادة فتح معبر رفح، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الخط الذي حدده وقف إطلاق النار، انطباعاً بوجود زخم سياسي جديد، هذا الزخم لا ينبع من ثقة متبادلة بين الخصوم، بل من تقاطع مصالح مؤقت؛ فـ«حماس» ترى في الهدنة فرصة للبقاء التنظيمي، وربما الحفاظ على نفوذ سياسي غير مباشر في غزة، بينما ترى إسرائيل في وقف النار متنفساً لتخفيف الضغط الدولي، وإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، والاستعداد للاستحقاقات الداخلية. بمعنى آخر، كلا الطرفين لا يسعى إلى السلام بقدر ما يسعى إلى تجنب تكلفة الحرب في هذه المرحلة.

ومع ذلك، فإن هذه المصلحة المؤقتة يمكن أن تتحول إلى أرضية سياسية إذا أحسن استثمارها؛ ففي تاريخ الصراعات، كثيراً ما بدأت عمليات السلام بوقفات تكتيكية تحولت لاحقاً إلى مسارات تفاوضية دائمة، لكن الفرق بين هدنة عابرة ومسار سياسي مستقر يكمن في ما يحدث بعد تثبيت وقف النار، وليس في إعلان الوقف نفسه.

التحدي الأكبر الآن هو الانتقال من منطق «إدارة الأزمة» إلى منطق «بناء الاستقرار»، وهذا يتطلب تقدماً متوازناً على 3 مسارات مترابطة: السياسي، والأمني، والاقتصادي. فعلى المستوى السياسي، لا يمكن لأي تسوية أن تستقر من دون وجود سلطة حكم واضحة وفعالة داخل غزة. نقل السلطة إلى هيئة فلسطينية جديدة أو معاد تشكيلها ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام الفلسطيني على إعادة بناء نفسه، واختبار لقدرة إسرائيل على القبول بواقع فلسطيني سياسي جديد لا يقوم فقط على منطق السيطرة الأمنية.

أما المسار الأمني، فهو العقدة الأكثر حساسية. مسألة نزع السلاح، خصوصاً سلاح «حماس»، لا يمكن أن تُحل بفرض إملاءات أحادية؛ لأن الحركة ترى في سلاحها ضمانة وجودية وأداة تفاوضية في آن واحد. لكن في المقابل، لا يمكن لإسرائيل أو للمجتمع الدولي القبول ببقاء بنية عسكرية كاملة داخل قطاع يسعى إلى إعادة البناء. الحل الواقعي هنا لا يكمن في نزع فوري وشامل للسلاح، بل في عملية تدريجية مرتبطة بضمانات سياسية وأمنية، وربما بإشراف دولي فعلي، بحيث يتحول نزع السلاح من مطلب انتصار إلى جزء من صفقة استقرار.

غير أن المسار الاقتصادي قد يكون العامل الأكثر تأثيراً في تثبيت أي تقدم سياسي أو أمني؛ فغزة اليوم ليست فقط ساحة صراع، بل منطقة منكوبة اقتصادياً وإنسانياً. إعادة الإعمار ليست مسألة خدماتية، بل مسألة شرعية سياسية. حين يرى السكان تحسناً ملموساً في الكهرباء والمياه والتعليم والعمل، يصبح الحفاظ على الهدوء مصلحة شعبية، لا مجرد اتفاق بين النخب السياسية؛ ولهذا فإن أي خطة سلام لا تربط التهدئة بتحسن ملموس في حياة الناس ستبقى معرضة للانهيار.

لكن كل هذه المسارات ستظل معلقة ما لم يتم التعامل مع العامل الأكثر حسماً: سلوك إسرائيل؛ فالتجربة التاريخية تشير إلى أن فرص السلام في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي غالباً ما تعثرت بسبب اختلال ميزان القوة، الذي يسمح لإسرائيل بتفسير الاتفاقات وفق رؤيتها الأمنية الخاصة. إذا استمرت العمليات العسكرية المحدودة، والتوسع في المناطق العازلة، وفرض القيود الصارمة على الحركة والإعمار، فإن أي تقدم جزئي سيتحول إلى مجرد إدارة طويلة الأمد للأزمة، لا بداية لحلها.

لهذا فإن الدور الدولي، خصوصاً الأميركي، يجب ألا يقتصر على رعاية التفاوض، بل على فرض معادلة توازن حقيقية: ضمان أمن إسرائيل، لكن أيضاً ضمان عدم تحويل الأمن إلى ذريعة لتعطيل أي مسار سياسي. السلام لا يمكن أن يولد في ظل شعور طرف بأنه يملك حق استخدام القوة متى شاء.

في النهاية، لا يمكن القول إن غزة تقف على أعتاب السلام، لكنها تقف على مفترق طرق. التقدم الجزئي الحالي قد يصبح بداية مسار جديد إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية، وقد يتحول إلى هدنة قصيرة إذا عادت الحسابات الضيقة لتغلب منطق التسوية. الأمل موجود، لكنه ليس في الاتفاقات المكتوبة، بل في قدرة الأطراف على تحويلها إلى واقع، وفي قدرة العالم على منع القوة من أن تقتل السياسة مرة أخرى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غزة أمل هشّ ومسار صعب غزة أمل هشّ ومسار صعب



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt