توقيت القاهرة المحلي 01:44:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

  مصر اليوم -

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

بقلم : يوسف الديني

في لحظات الأزمات الكبرى، تُختبر قدرة النظام الدولي على الفصل بين ما هو سياسي وما هو إنساني. غير أن تجربتي غزة والسودان تكشفان أن هذا الفصل لم يعد قائماً فعلياً؛ بل جرى تفريغه من مضمونه، وتحويله إلى أداة ضغط ومعاقبة جماعية، تُمارَس باسم السياسة، وتُنفَّذ على أجساد المدنيين، وتُبرَّر بخطابات لا تمتّ بصلة إلى الضرورات الإنسانية.

في الحالة الفلسطينية، عبّرت السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى بأشد العبارات، عن إدانتها للقرارات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية، الهادفة إلى فرض سيادة إسرائيلية غير شرعية، وترسيخ الاستيطان، وفرض واقع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية المحتلة، بما يسرّع محاولات ضمّها غير القانوني وتهجير الشعب الفلسطيني. هذه المواقف لم تكن مجرد بيانات دبلوماسية تقليدية؛ بل كانت توصيفاً سياسياً وقانونياً دقيقاً لعملية تفكيك ممنهجة لأي إمكانية لحل عادل، وإعادة تعريف الاحتلال بوصفه أمراً واقعاً دائماً، ومحمياً بالقوة، ومُعزَّزاً بالعقاب الجماعي.

غير أن أخطر ما في المشهد لا يقتصر على الضفة الغربية؛ بل يتجلى بوضوح في غزة، حيث تحوّل الحصار الإنساني إلى سياسة يومية، تُدار بتبريرات أمنية لا علاقة لها بحماية المدنيين. إعادة فتح معبر رفح الجنوبي جزئياً لم تُترجم إلى انفراج إنساني؛ بل إلى فوضى مقنّنة. أرقام الأمم المتحدة صادمة: خلال الأيام الأربعة الأولى، سُمح فقط لـ36 مريضاً فلسطينياً بمغادرة غزة لتلقي العلاج، من أصل قوائم تضم عشرات الآلاف. هذا ليس خللاً إدارياً؛ بل قرار سياسي واعٍ، يُبقي المرضى رهائن الزمن، ويحوّل الانتظار إلى حكم إعدام بطيء.

شهادات العاملين الإنسانيين، ومنهم الصحافية السابقة ومؤسسة منظمة «إنارا» أروى دامون، تكشف أن ما يُسمى «وقف إطلاق النار» لا يُعاش بوصفه هدنة داخل غزة. القيود على الإجلاء الطبي، والانتهاكات أثناء المرور، والاستجوابات، وتعصيب الأعين، كلها مؤشرات على أن المعبر ليس ممراً إنسانياً؛ بل أداة سيطرة. البنية التحتية الصحية مدمّرة، والصرف الصحي منهار، والأمراض تنتشر، والأدوية شحيحة، بينما يُمنع الحل الوحيد الممكن: الخروج المؤقت للعلاج. هنا يصبح الحصار سياسة قتل غير مباشرة، تُمارَس دون الحاجة إلى القصف.

في السودان، المشهد مختلف في الجغرافيا، ومتطابق في الجوهر. السعودية دانت بوضوح «الهجمات الإجرامية» التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وقوافل برنامج الغذاء العالمي، وحافلات تقل نازحين في ولايات كردفان، وطالبت بوقف الانتهاكات فوراً، والتزام الواجب الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات، وفق القانون الدولي وإعلان جدة. هذا الموقف يعكس إدراكاً واضحاً بأن استهداف الغذاء والدواء ليس تفصيلاً عسكرياً؛ بل جريمة استراتيجية تهدف إلى إخضاع المجتمعات عبر التجويع.

التقارير الأممية عن السودان ترسم صورة قاتمة: غارات مسيّرة على مدنيين، واستهداف متكرر للمرافق الصحية، وقصف قوافل الإغاثة، واتساع رقعة المجاعة. أكثر من 34 مليون سوداني بحاجة إلى مساعدات غذائية، وأكثر من 21 مليوناً يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذه ليست نتائج جانبية لحرب؛ بل أدواتها الأساسية. كما في غزة، يُفصل الإنساني عن السياسي نظرياً، لكنه يُدمج عملياً في استراتيجية إنهاك شامل.

التشابه بين الحالتين لا يكمن فقط في الحصار؛ بل في منطقه: تبرير العقاب الجماعي بأهداف سياسية لا علاقة لها بحماية المدنيين أو إنهاء النزاع. في غزة، يُستخدم «الأمن» لتجويع مجتمع بأكمله. وفي السودان، تُستخدم «الحرب على الخصم» لتدمير شروط الحياة لملايين البشر. في الحالتين، تُفرغ السياسة من أي مسؤولية أخلاقية، ويُختزل الإنسان إلى ورقة ضغط.

الأخطر أن هذا النمط، إذا استمر، فسيخلق حالة عدمية طويلة الأمد. أجيال تنشأ بلا تعليم مستقر، وبلا رعاية صحية، وبلا أفق سياسي. في غزة، أطفال يذهبون إلى خيام تعليمية مغمورة بالمياه، لأنهم يؤمنون بأن «الحرب ستنتهي يوماً ما». وفي السودان، مدن تُحاصر حتى تنهار اجتماعياً قبل أن تسقط عسكرياً. هذه ليست أزمات مؤقتة؛ بل بنى دمار ستنتج عنفاً مزمناً، وانهياراً اجتماعياً، وتطرّفاً نابعاً من اليأس.

ما تقوله المواقف السعودية والدول التي تصرّ على الفصل بين المعاناة والتسييس في الحالتين، سواء تجاه الانتهاكات الإسرائيلية أو جرائم «الدعم السريع»، هو رفض واضح لفكرة تطبيع الحصار الإنساني بوصفه أداة سياسية. الرسالة الأساسية أن القانون الدولي الإنساني ليس خياراً انتقائياً، وأن فصل الإنساني عن السياسي، حين يُستخدم لتبرير التجويع والعقاب الجماعي، يتحول إلى جريمة مضاعفة.

إذا لم يُكسر هذا المنطق، فإن غزة والسودان لن تكونا استثناءين؛ بل سيكونان نموذجين لعالم يقبل بتسييس المعاناة وأدلجتها، ويحوّل الأزمات الإنسانية إلى وقود لصراعات طويلة. عندها، لن تكون المشكلة في غياب الحلول؛ بل في قبول عدم وجودها.

في النهاية، لا يمكن للسياسة أن تكون ذريعة لاستغلال إنسانية البشر الذين لا يقتلون بفشل المفاوضات؛ بل بتجويعٍ متعمد وبدم بارد، كأن الحياة تفصيل قابل للتفاوض. حين تُستخدم المعاناة أداة ضغط، يفشل العالم أخلاقياً قبل أن يفشل سياسياً. ذات مرة قالت الصحافية الأميركية تريش، إن معاناة الإنسان ليست، ولا ينبغي أن تكون أبداً، قضية سياسية، وهذا ما يجب أن نأخذه في الحالتين الفلسطينية والسودانية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية عن الحالتين الفلسطينية والسودانية



GMT 12:00 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مواعيد الحصاد

GMT 11:51 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الجامعة العربية و«الناتو»... عاشا أم ماتا؟

GMT 10:15 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

ما تغير الإيرانيون... فلماذا نتغير؟

GMT 09:57 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

«صعود التوحد»... والطبّ «يتفرج»

GMT 09:30 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الخليج والأمن القومي العربي

GMT 09:12 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

حربٌ ضلت طريقها

GMT 08:51 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

نواف سلام واعتداله... بين يمينَين

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 20:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

التفاصيل الكاملة لذبح "عريس عين شمس" على يد 22 بلطجيًّا

GMT 07:44 2018 الخميس ,14 حزيران / يونيو

"أكسسوار الأنف"موضة جديدة وجريئة في صيف 2018

GMT 08:30 2025 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

بنزيما يظهر فى ملعب الشعلة وتحية خاصة لجماهير ريال مدريد

GMT 11:47 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

طلائع الجيش يستهل مشواره في الدوري بمواجهة الجونة

GMT 12:54 2017 الخميس ,28 أيلول / سبتمبر

هناك فرق ؟! وهاهم أحفاد 56 !

GMT 16:33 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

قصة سيدنا يوسف مع زوجة العزيز من وحي القرآن

GMT 15:46 2025 الأربعاء ,24 أيلول / سبتمبر

بيراميدز يفتح ملف تجديد تعاقد فيستون ماييلى

GMT 09:23 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

عصر المعاطف ضمن مجموعة لويس فويتون ربيع 2021

GMT 06:22 2019 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

وحيد .. هل يقلب الهرم؟

GMT 21:41 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

رسالة مؤثرة من كارتيرون لجماهير القلعة الحمراء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt