توقيت القاهرة المحلي 20:28:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

معضلة الشرق الأوسط: «دولنة الميليشيات»

  مصر اليوم -

معضلة الشرق الأوسط «دولنة الميليشيات»

بقلم : يوسف الديني

منذ عقود هناك سؤال أساسي يطارد منطقة الشرق الأوسط: ما المعضلة الكبرى التي تمنع استقرار وسيادة منطق الدولة في هذا الجزء من العالم؟ والجواب بالنسبة إليّ من دون تردد هو معضلة «دَوْلَنَة الميليشيات»، أي تحويل التنظيمات المسلحة والتيارات الثورية من كيانات مؤقتة نشأت بسبب ظروف معقدة إلى مؤسسات شبه رسمية داخل الدولة أو تقارعها دورها، مع بقائها محتفظة بآيديولوجيتها ورموزها وولاءاتها العابرة للحدود. إنها لحظة تتعايش فيها الدولة مع قوة موازية، وتتحول الشرعية من القانون إلى السلاح.

هذه الظاهرة ليست محصورة بدولة واحدة. في لبنان تحوّل «حزب الله» إلى دولة داخل الدولة يحتكر قرار الحرب والسلم، وفي فلسطين خلقت سيطرة «حماس» على غزة كياناً موازياً عمّق الانقسام وجمّد أي مشروع لبناء دولة موحدة. في اليمن أنتج الحوثيون سلطة أمر واقع تحت غطاء ديني ـ طائفي أفضى إلى حرب ممتدة. وفي سوريا، عقب سقوط نظام الأسد القاتم هناك محاولات حثيثة لبناء دولة لكن التحدي الأكبر هو حالة الفصائلية ومنطق المغالبة لا المشاركة، غير أنّ العراق يقدم اليوم الصورة الأكثر اكتمالاً لهذه المعضلة عبر «الحشد الشعبي».

بدأ «الحشد» كقوة رديفة للجيش لمواجهة الإرهاب عام 2014، لكنه لم ينحلّ بعد انتهاء المهمة، بل تمدّد حتى بات يضم أكثر من مائتي ألف مقاتل بميزانية سنوية تفوق ثلاثة مليارات دولار، وأصبح مظلة تضم عشرات الفصائل، بينها من تُصنفها واشنطن منظمات إرهابية. الخطوة الجديدة الأكثر خطورة تتمثل في مشروعَي قانون معروضَين على البرلمان: الأول يحوّل «الحشد» إلى مؤسسة دائمة بتمويل سنوي مستقل على غرار الوزارات، والثاني يقر بنظام خدمة وتقاعد كامل لمقاتليه، بل وينص على إنشاء أكاديمية عسكرية خاصة، ويمنح قائده فالح الفياض رتبة وزير وعضوية مجلس الأمن الوطني.

خلف هذا المسار تقف حملة ضغط وتهديد منظمة من فصائل المقاومة المدعومة من إيران. ففي 23 يوليو (تموز) الماضي نشر أبو علي العسكري، المرتبط بـ«كتائب حزب الله»، بياناً يربط مصير القوات الأميركية بتشريع «الحشد»، مهدداً بأن عدم الانسحاب الكامل «سيواجه برد مختلف». وبعد أيام اتهم نائب من كتلة «الصادقون»، «عصائب أهل الحق» نواب السنة والأكراد بعرقلة القانون بدفع أميركي، ملمّحاً إلى أن الوجود الأميركي في العراق ازداد ويجب التصدي له. كما كشفت الاجتماعات المغلقة في لجنة الدفاع والأمن بالبرلمان حجم التنسيق بين بدر والعصائب و«كتائب حزب الله»، بحضور ممثلين رسميين لـ«الحشد» وشخصيات مرتبطة بانتهاكات سابقة ضد متظاهرين وصحافيين. حتى قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني كان حاضراً في بغداد عشية محاولة التصويت، في إشارة واضحة إلى الطابع الإقليمي للقضية.

هذه الضغوط ارتبطت بحوادث تؤكد على المعضلة وسياقها المعقد، ومنها استهداف متكرر للسفارة والقواعد الأميركية، وهجمات بطائرات مسيّرة على إقليم كردستان، وتهديدات للأقليات غير المسلمة، ومحاولات اغتيال سياسيين وصحافيين، وسيطرة اقتصادية، ومن هنا بات لا يُنظر الى «الحشد» بوصفه فصيلاً داخل دولة، وإنما بوصفه مؤسسة مستقلة شبيهة بـ«الحرس الثوري» الإيراني: ممولة من الدولة لكنها تتحرك خارجها، ومرجعيتها وقرارها في طهران.

واشنطن حذّرت، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو خاطب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مباشرة قائلاً إن تمرير القوانين «سيؤسس نفوذ إيران والجماعات المسلحة، ويقوض سيادة العراق». وأكد أن ذلك سيغير مسار العلاقات الثنائية، مع احتمال فرض عقوبات قاسية على قطاع الطاقة تحديداً. القائم بالأعمال الأميركي في بغداد كرر الرسالة لكبار الساسة، وحاول التأثير على الكتل الكردية والسنية لعرقلة النصاب. في الكواليس، تتداول واشنطن خيارات تبدأ من تسريع الانسحاب، إلى كشف معلومات استخباراتية لإحراج الحكومة، مروراً بتحذيرات للشركات الأميركية، وصولاً إلى عقوبات موسعة على أذرع «الحشد» الاقتصادية. لكن، ورغم كل هذه الضغوط، فإن جوهر الأزمة لا يُحسم من الخارج.

لكن المعضلة في نظري أعمق من المقاربة الأميركية التي تراعي مصالحها بالدرجة الأولى أكثر من التفكير في حل مستدام لهذه المنطقة المثقلة بالأزمات؛ الأزمة أنه لا يمكن أن تتعايش الدولة أي دولة مع ميليشيا لا تذوب في جسدها، بل تفرض منطقها عليها. النموذج اللبناني أثبت أن الدولة تصبح أسيرة قرار «حزب الله». اليمن انتهى إلى تجريف لهويته العربية، وفوضى وتدمير لمقدراته وشعبه. غزة تجمدت في سلطة منقسمة لا يمكن معها التفكير في اليوم التالي في حال نجح المجتمع الدولي في الضغط على الكيان الإسرائيلي وفرض حل الدولتين. في سوريا هناك مخاوف كبيرة أن تغرق في سلطات متشظية. واليوم العراق مهدد بأن يتحول رسمياً إلى دولة ميليشيا إذا تم إقرار قانون «الحشد».

ومهما يكن موقف القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي تميل إلى الانكفاء عن المنطقة لكنها تعود دوماً مدفوعة بموقعها الجيوسياسي وأزماتها، فإن معضلة «دولنة الميليشيات» ليست أزمة أميركية بل هي تحدٍ إقليمي. هي معركة تخص دول المنطقة نفسها، التي تدفع ثمن تمدد هذه الكيانات وتعيش ارتداداته على أمنها واقتصادها واستقرارها.

وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية موحدة لدول الاعتدال العربي. المطلوب ليس مجرد إدارة الأعراض أو التعامل مع الميليشيات كأمر واقع، بل رفض تشريعها بوصفها كيانات موازية، والتمسك بأن احتكار القوة والسيادة هو جوهر الدولة. وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية السعودية كأكثر المواقف وضوحاً وصلابة: لا استقرار من دون دولة تحتكر السلاح والقرار، ولا مستقبل لمشاريع الميليشيات مهما تغلفت بشعارات المقاومة أو الغطاء الطائفي. إن الدور السعودي، القائم على ترسيخ منطق الدولة وفضيلة الاستقرار فوق كل اعتبار، يمثل اليوم الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتقاطع حوله دول الاعتدال لبناء موقف مشترك يقطع الطريق على منطق الميليشيات. فالرسالة السعودية إلى الداخل العربي وإلى العالم واضحة: المنطقة لا تُبنى إلا بدولة، ولا تُستعاد إلا بسيادة، ولا تُحفظ إلا باستقرار.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

معضلة الشرق الأوسط «دولنة الميليشيات» معضلة الشرق الأوسط «دولنة الميليشيات»



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt