توقيت القاهرة المحلي 10:46:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية؟

  مصر اليوم -

هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية

بقلم : يوسف الديني

لم تكن أحداث السويداء الأخيرة مجرد اشتباكات طائفية بين عناصر متفلتة أو راديكالية أو عشائرية، وبين أبناء جبل الدروز، بل كانت نافذة كاشفة عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بسوريا ما بعد نظام الأسد غير المأسوف عليه. فقد كشفت هذه المواجهات عن أن المناخ العام في سوريا الجديدة، الذي كان يُفترَض أن يكون قد تخلص من أوزار وإرث الطائفية، ما زال يعاني في الذهاب إلى «فضيلة الاستقرار» بصيغة تشاركية موحّدة، وصياغة هوية جامعة تتجاوز منطق الميليشيات والولاءات الضيقة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لسوريا أن تنهض كدولة موحدة وقوية من دون توافق داخلي حقيقي؟ أم أن الحاجة باتت ضرورية إلى مشروع مصالحة عميقة برعاية عربية، ربما بقيادة سعودية، ليكون بمثابة «طائف جديد» يقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية المنحازة والطامعة، وعلى رأسها التدخل الإسرائيلي ومن ينافسه من الدول التي لديها مشاريع شمولية؟

إن الموقف الخليجي، والسعودي بشكل خاص في هذه المرحلة، يقوم على قاعدة واضحة: لا استقرار في المشرق العربي من دون سوريا موحدة، قوية ومتعافية من أمراض الطائفية والانفصالية والتطرف بكل أنواعه وأشكاله. لكن هذه الرؤية تواجه تحديين بارزَين؛ أولهما غياب التوافق السوري الداخلي الذي يسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية جامعة، وثانيهما التدخلات الإقليمية والدولية التي تستثمر في الانقسامات وتعيد إنتاجها، من إسرائيل بحساباتها الأمنية، إلى تركيا ومعضلتها في الشمال، وإيران بميليشياتها التي ما زالت طامعة بالعودة، وكان من آخرها التقارير المقلقة التي صدرت عن مراكز البحث وخزانات التفكير حول تنظيم «أولي البأس» وهو تنظيم شبه عسكري دعائي مرتبط بإيران، يسعى إلى تأسيس كيان سياسي مسلح جديد معارض للحكومة في سوريا.

لقد كشفت أحداث السويداء عن هشاشة العقد الاجتماعي بين المكونات السورية، حيث دفعت الهجمات المشحونة إلى انفجار دموي واسع النطاق، ثم ردود انتقامية متبادلة، برزت معها استغلال إسرائيل لفرض معادلات أمنية مؤلمة، عبر ضربات جوية مباشرة في قلب دمشق، ما يطرح سؤال وأولوية السيادة السورية مجدداً.

غير أن ما هو أخطر من المواجهات المسلحة ذاتها يتمثل في الخطاب الطائفي والتكفيري الذي يغذي هذه المواجهات ويمنحها شرعيةً سياسيةً ومعنويةً خاطئةً وخطرةً. فالأسلحة مهما كانت فوضويةً تبقى ظاهرة يمكن محاصرتها سياسياً وأمنياً، لكن الخطر الحقيقي يكمن في ثقافة التحريض التي تتغلغل عبر المنابر والإعلام ووسائل التواصل، فتخلق بيئةً تجعل أي تجاوز مسلح مُبرَّراً. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة بناء سوريا يبدأ أولاً بمواجهة هذا الخطاب، لأن السلاح هو النتيجة، أما السبب فهو هذه الثقافة التي تمنع أي مشروع وطني من استعادة المبادرة.

وسط هذا المشهد يطرح كثيرون سؤالاً متكرراً: هل يمكن لسوريا أن تتجاوز محنتها من دون مشروع مصالحة شامل، أم أن الأمر يحتاج إلى اتفاق عربي جامع على غرار «اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية؟ مثل هذا المشروع، إذا ما وُجدت الإرادة له، فيمكن أن يقطع الطريق على التدخلات الانتقائية من إسرائيل وتركيا وإيران، ويؤسس لعقد اجتماعي واضح يضمن حقوق الأقليات، ويحدد ملامح دولة لا مركزية متماسكة، ويعيد الاعتبار لسيادة الدولة، ويتيح ضبط السلاح وإخراج المقاتلين الأجانب. غير أن نجاحه سيبقى مرهوناً بوجود إرادة سورية داخلية تستوعب أن الوحدة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة للنجاة.

جذور الأزمة لا تخص أبناء جبل الدروز وحدهم، فعدم الشعور بالأمان في ظل غياب ضمانات دستورية، إضافة إلى نسيج بعض القوات المحسوبة على الحكومة، هما ما سبَّبا ارتباكاً لدى الدول الغربية والولايات المتحدة، التي تتعامل بثنائية «الضغط والحوافز» أكثر من الإيمان بسوريا جديدة موحدة تشمل السوريين كلهم.

إن ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد انتقال سياسي بعد عقود من حكم الأسد، بل معركة حول شكل الدولة ومضمونها. فالسعودية ودول الاعتدال تدرك أن دعم سوريا الموحدة ليس مصلحةً سوريةً فحسب، بل مصلحة عربية استراتيجية، خصوصاً أن التحدي هو بناء شرعية الداخل، والتوافق المجتمعي، وليس مجرد إقناع القوى الغربية التي تريد التخلص من صداع الملف السوري، على عكس حرص الرياض على شراكة مستدامة مع سوريا والذي قد يصطدم بحقيقة أن القرار النهائي سيبقى سورياً مهما حاول الجميع، وأن التسوية الدائمة لن تتحقَّق إلا إذا اقتنع السوريون أولاً بأن وحدة دولتهم هي خط الدفاع الأخير أمام التشرذم والتبعية للخارج، والنهوض مجدداً بعد انكسارات طال أمدها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt