توقيت القاهرة المحلي 06:54:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية؟

  مصر اليوم -

هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية

بقلم : يوسف الديني

لم تكن أحداث السويداء الأخيرة مجرد اشتباكات طائفية بين عناصر متفلتة أو راديكالية أو عشائرية، وبين أبناء جبل الدروز، بل كانت نافذة كاشفة عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بسوريا ما بعد نظام الأسد غير المأسوف عليه. فقد كشفت هذه المواجهات عن أن المناخ العام في سوريا الجديدة، الذي كان يُفترَض أن يكون قد تخلص من أوزار وإرث الطائفية، ما زال يعاني في الذهاب إلى «فضيلة الاستقرار» بصيغة تشاركية موحّدة، وصياغة هوية جامعة تتجاوز منطق الميليشيات والولاءات الضيقة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لسوريا أن تنهض كدولة موحدة وقوية من دون توافق داخلي حقيقي؟ أم أن الحاجة باتت ضرورية إلى مشروع مصالحة عميقة برعاية عربية، ربما بقيادة سعودية، ليكون بمثابة «طائف جديد» يقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية المنحازة والطامعة، وعلى رأسها التدخل الإسرائيلي ومن ينافسه من الدول التي لديها مشاريع شمولية؟

إن الموقف الخليجي، والسعودي بشكل خاص في هذه المرحلة، يقوم على قاعدة واضحة: لا استقرار في المشرق العربي من دون سوريا موحدة، قوية ومتعافية من أمراض الطائفية والانفصالية والتطرف بكل أنواعه وأشكاله. لكن هذه الرؤية تواجه تحديين بارزَين؛ أولهما غياب التوافق السوري الداخلي الذي يسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية جامعة، وثانيهما التدخلات الإقليمية والدولية التي تستثمر في الانقسامات وتعيد إنتاجها، من إسرائيل بحساباتها الأمنية، إلى تركيا ومعضلتها في الشمال، وإيران بميليشياتها التي ما زالت طامعة بالعودة، وكان من آخرها التقارير المقلقة التي صدرت عن مراكز البحث وخزانات التفكير حول تنظيم «أولي البأس» وهو تنظيم شبه عسكري دعائي مرتبط بإيران، يسعى إلى تأسيس كيان سياسي مسلح جديد معارض للحكومة في سوريا.

لقد كشفت أحداث السويداء عن هشاشة العقد الاجتماعي بين المكونات السورية، حيث دفعت الهجمات المشحونة إلى انفجار دموي واسع النطاق، ثم ردود انتقامية متبادلة، برزت معها استغلال إسرائيل لفرض معادلات أمنية مؤلمة، عبر ضربات جوية مباشرة في قلب دمشق، ما يطرح سؤال وأولوية السيادة السورية مجدداً.

غير أن ما هو أخطر من المواجهات المسلحة ذاتها يتمثل في الخطاب الطائفي والتكفيري الذي يغذي هذه المواجهات ويمنحها شرعيةً سياسيةً ومعنويةً خاطئةً وخطرةً. فالأسلحة مهما كانت فوضويةً تبقى ظاهرة يمكن محاصرتها سياسياً وأمنياً، لكن الخطر الحقيقي يكمن في ثقافة التحريض التي تتغلغل عبر المنابر والإعلام ووسائل التواصل، فتخلق بيئةً تجعل أي تجاوز مسلح مُبرَّراً. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة بناء سوريا يبدأ أولاً بمواجهة هذا الخطاب، لأن السلاح هو النتيجة، أما السبب فهو هذه الثقافة التي تمنع أي مشروع وطني من استعادة المبادرة.

وسط هذا المشهد يطرح كثيرون سؤالاً متكرراً: هل يمكن لسوريا أن تتجاوز محنتها من دون مشروع مصالحة شامل، أم أن الأمر يحتاج إلى اتفاق عربي جامع على غرار «اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية؟ مثل هذا المشروع، إذا ما وُجدت الإرادة له، فيمكن أن يقطع الطريق على التدخلات الانتقائية من إسرائيل وتركيا وإيران، ويؤسس لعقد اجتماعي واضح يضمن حقوق الأقليات، ويحدد ملامح دولة لا مركزية متماسكة، ويعيد الاعتبار لسيادة الدولة، ويتيح ضبط السلاح وإخراج المقاتلين الأجانب. غير أن نجاحه سيبقى مرهوناً بوجود إرادة سورية داخلية تستوعب أن الوحدة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة للنجاة.

جذور الأزمة لا تخص أبناء جبل الدروز وحدهم، فعدم الشعور بالأمان في ظل غياب ضمانات دستورية، إضافة إلى نسيج بعض القوات المحسوبة على الحكومة، هما ما سبَّبا ارتباكاً لدى الدول الغربية والولايات المتحدة، التي تتعامل بثنائية «الضغط والحوافز» أكثر من الإيمان بسوريا جديدة موحدة تشمل السوريين كلهم.

إن ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد انتقال سياسي بعد عقود من حكم الأسد، بل معركة حول شكل الدولة ومضمونها. فالسعودية ودول الاعتدال تدرك أن دعم سوريا الموحدة ليس مصلحةً سوريةً فحسب، بل مصلحة عربية استراتيجية، خصوصاً أن التحدي هو بناء شرعية الداخل، والتوافق المجتمعي، وليس مجرد إقناع القوى الغربية التي تريد التخلص من صداع الملف السوري، على عكس حرص الرياض على شراكة مستدامة مع سوريا والذي قد يصطدم بحقيقة أن القرار النهائي سيبقى سورياً مهما حاول الجميع، وأن التسوية الدائمة لن تتحقَّق إلا إذا اقتنع السوريون أولاً بأن وحدة دولتهم هي خط الدفاع الأخير أمام التشرذم والتبعية للخارج، والنهوض مجدداً بعد انكسارات طال أمدها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt