توقيت القاهرة المحلي 11:55:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يوم التأسيس... السعودية وفضيلة الاستقرار

  مصر اليوم -

يوم التأسيس السعودية وفضيلة الاستقرار

بقلم : يوسف الديني

ليست كل الأمم تُولد من الثورة، ولا كل الدول تنشأ من الصراع. بعض الأمم تتشكّل من لحظة أعمق: لحظة إدراك جماعي أن الاستقرار ليس مجرد حالة سياسية، بل شرط للوجود نفسه. هنا تبدأ قصة الدولة السعودية منذ عام 1727، لا بوصفها حدثاً عابراً في تاريخ الجزيرة العربية، بل بوصفها نقطة تحول في مفهوم الاجتماع السياسي فيها، حيث بدأت تتشكّل البلاد حول فكرة الدولة قبل أن تتشكل حول الحدود.

فالجزيرة العربية لم تكن أرضاً بلا تاريخ، بل موغلة في القدم، متشابكة مع طرق التجارة والحج ومراكز العلم. لكنها عاشت قروناً طويلة في نظام اجتماعي تقليدي تقوم وحدته على القبيلة أكثر من الدولة، وكان الأمن هشّاً والاقتصاد متقلّباً. في هذا السياق لم يكن قيام الدولة السعودية الأولى مجرد انتقال في الحكم، بل انتقال في معنى الاجتماع ذاته: من تحالفات متفرقة إلى كيان سياسي مستقر.

هنا يظهر الإمام محمد بن سعود بوصفه أكثر من أمير محلي؛ يظهر بصفته مهندساً سياسياً أدرك مبكراً أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بمنظومة من الثقة والشرعية والتنظيم. لقد ورث إمارة مضطربة، لكنه نجح في توحيد الداخل، وتهدئة الصراعات، وبناء أسس حكم مستقر. وفي تلك اللحظة بدأت الدرعية تتحول من مدينة إلى نموذج دولة، ومن سلطة محلية إلى مشروع سياسي مستقل في بيئة إقليمية شديدة التنافس.

ومن هذا التحول بدأت تتشكّل بذور الأمة السعودية، فالأمم لا تُبنى فقط باللغة أو النسب، بل حين يشعر الناس أن الدولة تحميهم وتمنحهم أفقاً مشتركاً. ومع توسّع الدولة السعودية الأولى لم يكن ما جذب المجتمعات إليها القوة فقط، بل قدرتها على توفير الأمن وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. هكذا بدأ يتشكّل مفهوم مبكر للمواطنة، علاقة ولاء متبادل بين الدولة والمجتمع، قائمة على أن الاستقرار مصلحة الجميع.

هذه العلاقة هي جوهر العقد الاجتماعي السعودي، وهو عقد يختلف عن نماذج نشأت عبر الصراع مع الدولة؛ ففي التجربة السعودية لم تكن الدولة خصم المجتمع، بل مشروعه، ولم يكن المجتمع تابعاً لها، بل كان شريكاً في تثبيت شرعيتها. ومن هذا التوازن نشأت واحدة من أكثر التجارب السياسية استقراراً في المنطقة، دولة قامت على التراكم والثقة لا على الانفجار التاريخي.

خصوصية السعودية لا تكمن فقط في عمرها الممتد ثلاثة قرون، بل في أنها حافظت على استقلالها وسيادتها طوال هذا المسار، ولم تخضع لاستعمار مباشر كما حدث في أجزاء واسعة من العالم العربي. هذه الاستمرارية ليست صدفة جغرافية، بل نتيجة قوة العقد الاجتماعي الذي ربط المجتمع بالدولة، وجعل الاستقرار قيمة وطنية مشتركة.

وإذا كان الاستقرار في بعض التجارب يعني الجمود، فإنه في السعودية كان شرط التطور. فمن الدولة الأولى إلى مشروع التوحيد، ثم إلى الدولة الحديثة ومؤسساتها، ظل الخيط الناظم واحداً: الحفاظ على الدولة بصفتها الضامن للوحدة والسيادة. واليوم حين تعيد المملكة صياغة مستقبلها عبر رؤية طموحة، فإنها تنطلق من ذاكرة سياسية واجتماعية ممتدة ثلاثة قرون تؤكد أن الاستقرار ليس نقيض التغيير بل أساسه.

وقد نجحت الدولة السعودية عبر تاريخها في استيعاب التنوع داخل إطار الوحدة، فالمجتمع السعودي لم يكن كتلة واحدة متجانسة، بل فسيفساء من المناطق والتقاليد والخبرات، لكن فكرة المواطنة استطاعت أن تجمعه من دون أن تلغي خصوصياته. وهكذا تشكّلت الأمة السعودية لا بوصفها شعاراً سياسياً، بل بصفتها تجربة تاريخية في التعايش والاستقرار.

إن الاحتفال بيوم التأسيس ليس استدعاءً للماضي فقط، بل تذكير بأن الدولة السعودية بُنيت بعلاقة طويلة بين القيادة والمجتمع، علاقة جعلت المواطن يرى في استقرار دولته امتداداً لاستقراره، وترى الدولة في مواطنيها رأسمالها الأهم. ولهذا لم يكن السعوديون مجرد متلقين للاستقرار، بل شركاء في صناعته، حافظوا عليه عبر التحولات الكبرى، ووعوا أن الدولة ليست كياناً فوق المجتمع، بل تعبير عنه وضامن لمستقبله.

واليوم تتجلَّى هذه الشراكة بصورة عضوية في «مشروع الرؤية» التي لم تنطلق بوصفها خطة اقتصادية فحسب، بل تُعدّ تعبيراً حديثاً عن العقد الاجتماعي السعودي، فهي تستثمر في الإنسان السعودي، وتعزز الهوية الوطنية، وتؤكد أن قوة الدولة تبدأ من قوة مجتمعها وثقته بنفسه.

وفي محيط إقليمي لا تزال تعصف به الأزمات، أثبت السعوديون أنهم في مقدمة الركب للدفاع عن فضيلة الاستقرار التي صاغت تاريخهم. لم يكن ذلك دفاعاً عن وضع قائم، بل عن تجربة ممتدة ثلاثة قرون دفعت أثمانها في محطات عديدة، ورسخت قناعة بأن الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل شرط الازدهار وعماد السيادة.

وهكذا يبدو يوم التأسيس، الذي سيحل علينا بعد أيام، أكثر من ذكرى؛ إنه وعي متجدد بأن الأمة السعودية لم تتشكل صدفة، بل عبر لحمة فريدة في نوعها بين القيادة والمجتمع، تلك اللحمة لا تزال اليوم تصوغ طموح المستقبل. فكما صنعت الدرعية قبل ثلاثة قرون فكرة الدولة، يصوغ السعوديون اليوم فكرتهم الصلبة عن الوطنية الحقة: دولة مستقلة، ومجتمع متماسك، واستقرار يُستثمر لصناعة الغد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يوم التأسيس السعودية وفضيلة الاستقرار يوم التأسيس السعودية وفضيلة الاستقرار



GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

الصخب والعتم

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

قصة جزيرتين... من إبستين إلى فلسطين

GMT 07:44 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

دور تطوير حقل «غزة مارين» في إعادة إعمار قطاع غزة

GMT 07:42 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

بريطانيا... القضاء في مواجهة الحكومة

GMT 07:41 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

عن مخاطر انتخابات تفتقر للعدالة!

GMT 07:38 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

السؤال البديهي

GMT 07:35 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التعليم بزيادة سنة

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 08:30 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
  مصر اليوم - استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام
  مصر اليوم - التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 20:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

التفاصيل الكاملة لذبح "عريس عين شمس" على يد 22 بلطجيًّا

GMT 04:49 2019 الخميس ,13 حزيران / يونيو

موجة من صيحات الموضة يشهدها موسم ربيع وصيف 2019

GMT 13:48 2021 الخميس ,15 إبريل / نيسان

التنانير الطويلة موضة في عروض الأزياء العصرية

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 07:06 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

مرسيدس EQS موديل 2025 سيدان كهربائية فاخرة بتصميم أنيق

GMT 07:32 2024 الثلاثاء ,09 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح يتصدر التشكيل المثالي في الدوري الإنكليزي

GMT 20:14 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

أنغام تطرح أغنيتها الجديدة "ونفضل نرقص "
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt