توقيت القاهرة المحلي 03:53:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مستقبل سوريا ما بعد الأسد

  مصر اليوم -

مستقبل سوريا ما بعد الأسد

بقلم : يوسف الديني

لم تتكشف كل أركان قصة سقوط نظام الأسد المفاجئ للجميع، حيث بدا الطريق إلى دمشق قصيراً. مجموعات من المقاتلين غير متجانسة من حيث الأهداف واللغة، ومن خلفيات وجنسيات مختلفة منضوون تحت «هيئة تحرير الشام» أخذوا لقطة الختام لنظام فقد كل أسباب البقاء لدى حلفائها قبل خصومه، لكن هذه المجموعة التي يعاد إنتاجها الآن إعلامياً، خصوصاً في المقاربة التركية بدرجة أولى والغربية بدرجة ثانية بكثير من البراغماتية، معتمدة على رصيد هائل من كوارث النظام السابق تحاول جاهدة طمأنة السوريين والمجتمع الدولي حول السردية الجديدة تجاه مستقبل سوريا.

سوريا التي يتجنب وصفها القادمون الجديد مستخدمين ما اعتادوا عليه «بلاد الشام»، وهي تسمية ستطرح الكثير من الأسئلة والمخاوف، خصوصاً بعد أن يستيقظ السوريون من نشوة التخلص من النظام الذي تسبب بكل هذا الفقر والخوف والتشريد والقتل والتهجير، كما ستتكشف مع الوقت تفاصيل قصة ما تصفه الجماعة بأنه فتح أو تحرير بينما تصرّ الدول التي كانت حاضرة في سوريا أكثر من النظام نفسه على أنه نتيجة انتقال للسلطة من خلال التخلي عن نظام بشار الأسد بعد أن استنفد كل الفرص ولم يقم بأي خطوات حول الملفات الأساسية ومنها اللاجئون.

الإرث الدموي لنظام الأسد ولّى إلى غير رجعة؛ لذلك فإن الاتكاء على متنه المتوحش والاستثمار في تفاصيله لا يمكن أن يمنح القادمين الجدد الشرعية ما لم تضمن الأساسيات للسوريين وتطمئن العالم، خصوصاً دول المنطقة المستقرة حول المستقبل، ولا يمكن للخبراء والعارفين بالأصولية والتطرف والإرهاب الاعتماد على دعاوى التحول والخطاب المعلن للقادة من دون معرفة خطة واضحة من أنه ليس براغماتياً ومصلحياً، ويعبّر عن تقية حركية ألفناها منذ انبعاثها مع بدايات القرن العشرين بكل نسخها السنية والشيعية، كما سلوك القفز على كرسي السلطة مختلف عن خطاب التمكين وتقاليد ابتلاع التعددية والتعايش مع المكونات والانحياز للوعد الإلهي.

المخاوف مشروعة ويعزّزها خارج تصريحات القادة أمران: الأول ما يرشح من المتن المقلق جداً لمحتوى المقاتلين الموجود على منصات التواصل من اعتبار أن تحرير الشام خطوة أولى، خصوصاً من المقاتلين غير السوريين. والآخر: خطاب الأنصار والمعجبين بما حدث، خصوصاً أنه قدّم على أنه نتيجة نصر سريع وحاسم وليس حسابات وتوافقات معقدة مبنية على هشاشة النظام وخروجه عن حالة «الدولة» منذ سنوات وارتهان مصيره إلى حلفائه الذين لم يعد يشكل بقاؤه أولوية لهم.

وفي حال استبشر أهل المنطقة بتراجع هيمنة المشروع الإيراني في سوريا، لكن لا أحد سيغتبط باستبداله بهيمنة تركية ذات مطامح لاستعادة العثمانية ولو رمزياً.

ما حدث كان مؤشراً على أن سلطة نظام الأسد أضعف مما كان يتخيل الجميع، خصوصاً في الدول الغربية التي ظل ملف المهاجرين مؤرقاً لها، وكذلك الدول العربية التي منحت النظام الكثير من الفرص؛ طمعاً في إعادة تأهيل النظام وإنقاذه من نفسه وتبعيته لمشاريع خارجية، وصحيح أن إيران وروسيا تقلّص نفوذهما، لكن القدرة على عقلنة تدخلات تركيا إردوغان سيكون مسألة ملحّة في مستقبل سوريا ومحيطها، خصوصاً مع استحقاقات إعادة الإعمار ومآلات معضلة غزة الملف الفلسطيني والترقب لمقاربات الولايات المتحدة، خصوصاً مع إدارة ترمب وطريقة تعاملها مع تنظيم ما زالت تصنفه ضمن قوائم الإرهاب، ووضعت مكافأة مالية لزعيمه أبو محمد الجولاني قبل أن يظهر كأحمد الشرع على شاشة CNN فيما بدا لكثير أنها رغبة في تجنب عقدة العراق وأفغانستان وانهيار مؤسسات الدولة ومحاولة العمل مع كل الأطراف الفاعلة، لكنه أيضاً مثير للقلق للمراقبين الذين يدركون فوارق الجغرافيا والتاريخ والتركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي.

سوريا مستقرة مكسب للجميع يمكن بدعم دول الاعتدال بقيادة السعودية أن تلهم كل المنطقة للخروج من مأزق ما بعد الدول الفاشلة، لكن فضيلة الاستقرار تتطلب ما هو أبعد من الدبلوماسية أو النوايا الحسنة أو إعادة تسويق التنظيمات المسلحة بناءً على خطاب معلن لقياداتها الذي يحتاج إلى معالجة لكل الملفات والقضايا العالقة من خلال مقاربة متوازنة واستراتيجية متوسطة وطويلة المدى ومزيج من الدعم الإنساني وتحسين الحالة الاقتصادية وتعميم ثقافة التسامح وتعايش المكونات الوطنية باعتبارهم شركاء في المواطنة وليسوا مجرد أقليات يتم استعطافهم أو الاستثمار في رعايتهم.

من المبكر أن تسرع في الأحكام رغم أن الأغلبية في العالم العربي شعروا بأن أهلنا في سوريا خرجوا من نفق مظلم وطويل، وأن عليهم وحدهم تقرير مصيرهم ومستقبلهم وصناعة بديل سياسي توافقي من دون وصاية قادر على خلق وحدة وطنية.

درس ما بعد «الربيع العربي» يتعزز اليوم أكثر من أي وقت مضى مع نهاية صفحة نظام الأسد السوداء، وحاجة المنطقة إلى فضيلة الاستقرار ومؤسسات دولة قوية ومواطنة تسع الجميع بما فيهم المغلوب على أمرهم ممن عمل مع النظام السابق عبر إيجاد قاسم مشترك فيما بينهم بعيداً عن كل الأدبيات القيامية ونهاية الزمان التي يتم التحشيد عليها الآن في الإنترنت المظلم للإرهاب!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستقبل سوريا ما بعد الأسد مستقبل سوريا ما بعد الأسد



GMT 08:41 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

السيف يسقط قبل الرؤوس

GMT 08:40 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

إِنْ أُعدمت العلوم الإنسانية فأبشروا بالجهل!

GMT 08:37 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

هرمز... مضيق يهمُّ العالم بأسره

GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

الفلسطينيون والحرب على إيران

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

لهدنة المرتعشة

GMT 08:33 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

ليبيا... ليس في الإمكان أبدع مما كان

GMT 08:31 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

مع إيلون ماسك «التقنية غير مخيفة»

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

لبنان: بداية تغيير رغم العثرات

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 20:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي
  مصر اليوم - دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:36 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 09:25 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

نصائح لتحويل مكتبك المنزلي إلى بيئة صحية ومنتجة

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 18:56 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

مدفيديف يحرز لقب كأس الدرعية على حساب فونيني

GMT 11:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أخطاء شائعة تجنبيها عند شراء المجوهرات

GMT 21:53 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الشواطئ والمناظره الطبيعية لقضاء شهر عسل في قبرص

GMT 05:57 2020 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

طريقة إعداد وتحضير الدجاج بحليب جوز الهند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt