توقيت القاهرة المحلي 09:56:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عولمة الفوضى... من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا

  مصر اليوم -

عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا

بقلم: يوسف الديني

تكشف أزمة الحوثيين وتهديدُ الملاحة في «باب المندب»، بالتوازي مع اضطراب «هرمز»، وتصاعد الاحتجاجات في فرنسا وإيطاليا ودولٍ أوروبية أخرى، عن اختلال يتجاوزُ الحدودَ الإقليمية لكل أزمة. نحن أمام تفاعلٍ بين تراجع الضبط الدولي الذي كانت تمارسه القوى الكبرى؛ خصوصاً الولايات المتحدة، ومؤسسات المجتمع الدولي على ضعفها، وصعود دول مأزومة ذات مشروعات عابرة لحدودها، وأذرع من الميليشيات والتنظيمات المتطرفة، وتآكل قدرة الحكوماتِ على احتواء التكلفة الاجتماعية للاضطرابات؛ وهو ما يمكن تسميته «عولمة الفوضى». وتتغذَّى هذه الحالة من العدمية لدى قطاعات من الأجيال الجديدة، بفعل تداخل الشخصي والمجتمعي، مع التدفق الهائل للمحتوى المتصل بالقضايا العامة.

تساعدُنا نظرية «الاعتماد المتبادل» على تفسير هذا التحول؛ فقد ربطتِ العولمة استقرار الدول بشبكات التجارة والطاقة والتمويل، ووسَّعت المصالح التي تجعل التعاونَ ضرورة. ولكن هذا الاعتماد لا ينتج الاستقرار تلقائياً؛ فقد يتحول إلى مصدر ضغط حين تتمكن دولة مارقة أو ميليشيا مسلحة من تهديد عقدة استراتيجية في الاقتصاد العالمي. وهنا يحضر «هرمز» و«باب المندب» لاختبار قدرة النظام الدولي على حماية المصالح المشتركة من الابتزاز العسكري والسياسي، وما يخلقه من غلاءٍ وتعطل لتدفق السلع وحالة من اللايقين.

تكشف المقارنة بين الممرين عن اختلاف الفاعلين ووحدة الأثر: تمارس إيرانُ الضغطَ من موقع الدولة المأزومة، بينما تمارسه ميليشيا الحوثي الإرهابية من موقع الجماعة التي اختطفت اليمنَ ومؤسساتِه وموارده. ويقلِّص تزامن الاضطراب البدائل، ويضاعف المخاطر، ليجعل أمن البحر الأحمر والخليج مسألة تتصل مباشرة بالاقتصاد الدولي، وهو ما يغيب عن المقاربات الجزئية للأزمة.

كانت هذه الممرات محمية بإطار يمكن وصفه بـ«الاستقرار بالهيمنة»، الذي يربط انتظامَ الاقتصاد الدولي بوجود قوة كبرى مستعدة لتحمل تكلفة حماية المنافع العامة، وفي مقدمتها أمن الملاحة واستقرار التحالفات. ولا تعني النظرية عدالة النظام، ولكنها تفسر حاجته إلى ضامن يمتلك القدرة والإرادة. والأزمة الراهنة، في تقديري، تتصل باتساع الفجوة بين امتلاك الولايات المتحدة أدوات القوة وتراجع استعدادها لتقديم التزام مستقر يبني الحلفاء سياساتهم عليه.

من هنا نفهم التردد الأميركي والانكفاء عن الشرق الأوسط؛ وهو لا يعني بالضرورة تقليص الانتشار العسكري؛ بل التخلي عن وظيفة الضامن الذي يربط استخدام القوة بقواعد وتسويات والتزامات ممتدة. فما نراه تدخلاً عسكرياً مؤقتاً، تمَّ التعامل مع نتائجه بوصفها قضايا تخص الدول ذاتها.

لم تبدأ التحولات مع ترمب؛ فقد سبقتها انتقائية كبيرة في تطبيق القانون الدولي، ومثال غزة أكبر دليل كما هو الشأن في الحروب التي هشَّمت الدول ومنها حرب العراق، أو في المقاربات المتناقضة ومنها ملفُ إيران، والتي رسخت سلطة التنظيمات والميليشيات المسلحة، غير أنَّ النهج القائم على شخصنة العلاقات يعمق أزمة صدقية الالتزام، ويدفع الدول إلى التحوط، ويضعف العمل الجماعي، ويوسع فرص القوى التي تختبر حدود النظام.

ما يحدث في فرنسا وإيطاليا ليس بعيداً عن اضطرابات الشرق الأوسط؛ فالضغوط الخارجية تفاقم الاختلالات الداخلية. وللاحتجاجات أسبابها المستقلة في المعيشة والخدمات والتعليم والسكن، ولكن السياق الدولي ضاعف من الأزمة ويشي بتفاقمها، وقد أقر البيان الفرنسي الإيطالي المشترك بارتباط أزمة الطاقة بأوضاع الشرق الأوسط، بينما عكست الاحتجاجات تراكم مطالب اجتماعية متعددة وفشل في ملفات كثيرة ومنها الهجرة، كما أن هناك أزمة كبيرة تتمثل في ضيق هوامش الحكومات الأوروبية بين مطالب متعاظمة وموارد محدودة، وحاجة إلى إنفاق أمني كبير، في ظل الحرب في أوكرانيا. وهنا تتدخل القوى الشعبوية والأحزاب الانتهازية، لتقدم العزلة القومية حلاً لأزمات عجزت الحكومات عن معالجتها.

الفارق كبير بالطبع؛ حيث تمتلك المؤسسات الأوروبية آلياتٍ للمساءلة وتداول السلطة وتصحيح السياسات، بينما تبقى الدول الفاشلة أو الأسيرة للميليشيا في أزمة مستدامة؛ لأنَّها تستبدل بالولاءِ الوطني الولاءَ للآيديولوجيا. وفي الحالة الحوثية، يصبح التعطيل مصدر قوة، فبعد الفشل في تقديم نموذج حكم قابل للحياة، تفرض الميليشيا حضورها بالهيمنة داخلياً، وتعطيل المصالح الحيوية خارجياً، والارتهان لمحور التأزيم الذي تتزعَّمه طهران.

مواجهة عولمة الفوضى تقتضي دعمَ دول الاعتدال ومشروعها، لحماية الاستقرار واستعادة الدولة، وفي مقدمتها السعودية التي تتصدر اليومَ حل أزمة الإقليم والعالم، من خلال اليمن؛ لأنها حملت على عاتقها استعادة الشرعية والدولة اليمنية المختطفة، وردع قدرة الميليشيا على ابتزاز الجميع؛ بل وحماية الممرات الدولية من الارتهان للمشروع الإيراني.

باختصار: نحن اليوم أمام «فسطاطين» لا ثالث لهما: فسطاط الميليشيات، وفسطاط الدولة. وكل تردد في دعم الدولة يمنح الميليشيات فرصة لترسيخ سلطتها وتوسيع تهديدها، ويجعل تكلفة مواجهتها لاحقاً أشدَّ على الجميع.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا



GMT 07:40 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

درءاً لرياح السوء

GMT 07:35 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نكتة الموسم… وساطة إيرانية في اليمن

GMT 07:33 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة جميلة من الأزهر... لكن العقبة إيران

GMT 07:31 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

يتدخلون في رحمة الله.. ما أبشعهم !

GMT 07:29 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هوبز وفيبر أم نوّاف الموسوي؟

GMT 07:09 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ماذا يريد الفلسطينيون؟!

GMT 07:07 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة فى المغرب

GMT 07:06 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هل من ضوء فى نهاية النفق؟

رحمة رياض تخطف الأنظار بخيارات أضافت طابعاً ساحراً على أحدث إطلالاتها

بغداد ـ مصر اليوم

GMT 09:56 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

إسرائيل تعلن اغتيال أحد أكبر مسؤولي حماس الأمنيين في غزة
  مصر اليوم - إسرائيل تعلن اغتيال أحد أكبر مسؤولي حماس الأمنيين في غزة
  مصر اليوم - نتنياهو يتهم أردوغان بمحاولة استعادة الحكم العثماني في القدس

GMT 22:57 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:55 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:53 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:51 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 08:20 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى كرم تعيد فستان المخمل إلى الواجهة وتلهم النجمات

GMT 22:49 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 04:19 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الحمل الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 09:28 2021 الأربعاء ,11 آب / أغسطس

المصري يعلن انتقال أحمد جمعة إلى إنبي

GMT 10:27 2018 الثلاثاء ,12 حزيران / يونيو

النائب مصطفى الجندي يطالب بمضاعفة حصة مصر المائية

GMT 17:24 2021 الثلاثاء ,08 حزيران / يونيو

البورصة المصريه تخسر 4 مليارات جنيه ومؤشرها يهبط 1.4%

GMT 07:47 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 05:32 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

مصر للطيران تسير 34 رحلة على متنها 3700 راكب الإثنين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt