توقيت القاهرة المحلي 13:20:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غزة: حصار وإبادة ومجاعة ومحرقة

  مصر اليوم -

غزة حصار وإبادة ومجاعة ومحرقة

بقلم : حسين شبكشي

عملت الجماعات اليهودية العاملة بمجالات الضغط السياسي في الولايات المتحدة بالتداول مع الأوساط الأكاديمية الكبرى والمنصات الإعلامية الرئيسية، على أنه لا وجود لمأساة إنسانية أخرى توازي مأساة المحرقة التي حصلت لليهود في أوروبا على أيدي النظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وحرصت تلك الجماعات على أن تكون مفردات، مثل الإبادة والمحرقة، حصرية بحق اليهود ومأساتهم في أوروبا، ولم تدعم إطلاق الأسماء ذاتها على إبادة الهنود الحمر وسكان القارة الأسترالية على أيدي المستعمرين البيض، ولا حتى الإبادة التي حصلت بحق الأرمن وغيرهم من الشعوب حول العالم. ولكن هذا «الاستعمار اللغوي» بدأ يتفتت ويتصدع مع انكشاف جرائم جيش إسرائيل بحق سكان قطاع غزة، التي تجاوزت كل الحدود، وخالفت كل الشرائع والقوانين، وأصبح الرأي العام العالمي يعترض سياساتها، وباتت إسرائيل في أكبر عزلة تعرفها بتاريخها منذ تأسيسها المثير للجدل في أربعينات القرن الماضي.

ولم ينحصر تراجع التأييد لإسرائيل في دوائر اليسار المعروف تقليدياً بمناصرته لأصحاب الحقوق والمستضعفين، ولكن الأمر وصل إلى الدائرة الأكثر تشدداً في تاريخ التأييد لإسرائيل، والمقصود هنا دائرة اليمين الجمهوري التقليدي المحافظ. اليوم تخرج أصوات كثيرة محسوبة على تلك الدائرة من الإعلاميين والساسة، أصحاب الجدارة والمصداقية الكبيرة، تهاجم وتنتقد إسرائيل، وتعلن رفع التأييد عنها بشكل صادم وغير مسبوق، وبأسلوب يمكن وصفه بالعداء الصريح لها.

ما يحصل في غزة من محرقة صريحة، ولكن بشكل جديد، بحق الفلسطينيين هو نتيجة عوامل مختلفة ومتنوعة. فهناك أسباب دينية تقودها مجموعة مهووسة وموتورة بالطرح التلمودي المتطرف والمملوء بنبوءات تخص ظهور مسيح ديانتهم، بعد تمكن شعب إسرائيل من أرضه التاريخية بحسب المعتقدات، وبناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى في موقعه الحالي بالقدس.

وهناك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الشخصية الموتورة بامتياز، هارب من قضايا فساد في بلاده، ومطلوب بصفته مجرم حرب من المحكمة الجنائية الدولية، ويلاحق نبوءة قالها له حاخام الحريديم اليهود الأرثوذكس في نيويورك بالتسعينات الميلادية من القرن الماضي، إبان خدمة نتنياهو بصفته مندوباً لإسرائيل في الأمم المتحدة، وقال له وقتها إنك أنت من ستسلم مفتاح مدينة القدس لمسيحنا ليبني الهيكل.

وهناك جانب شخصي آخر يسيطر على عقلية بنيامين نتنياهو في سياساته وقراراته بحق الفلسطينيين. وهو ما وصفه أحد المحللين السياسيين الإسرائيليين بشكل دقيق عندما أجاب عن سؤال المذيع عن رأيه في توقيت نهاية حرب نتنياهو على غزة، فأجاب بقوله: «لن تنتهي حرب نتنياهو على غزة، إلا حين تُخرج زوجة أخيه أظفارها من يده، لأن نتنياهو خلال جنازة شقيقه الوحيد الطيار الحربي في الجيش الإسرائيلي الذي قُتل على أيدي الفصائل الفلسطينية خلال عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين في مدينة عنتيبي بأوغندا، قالت له أرملة أخيه وهي تغرز أظفارها بقوة في جلد ذراعه، وهي تشد وتضغط عليه بقولها: أعد لي حق أخيك منهم».

سردية الإسرائيليين التقليدية مبنية على جذب عاطفة الغرب لهم لأنهم الضعفاء وسط غابة الوحوش، والمظلومية التي روجوا لها بوصفهم ضحايا للمآسي التاريخية التي جلبت لهم التعاطف المعنوي والسياسي والمالي بشكل غير مسبوق لأي دولة أخرى حول العالم. اليوم تفضح إسرائيل لقطات منصة «تيك توك»، وشهادات حية من أرض المحرقة في غزة لتفضح أكاذيب إسرائيل وتناقض مبرراتها.

هناك أجيال جديدة في الغرب الذي تتغير ديمغرافيته، لم يعد يؤمن بأن على الغرب دعم إسرائيل بشكل أعمى ومطلق وغير محدود، نظير الإحساس بالذنب تجاه محرقة النازيين، لأن الإحساس بالذنب بخصوص جريمة هائلة لا يمكن أن يبرر التأييد أو حتى الصمت بحق جريمة لا تقل بشاعة. كذلك هناك نمو سكاني هائل في مختلف دول الغرب المؤيد لإسرائيل من مهاجرين مقبلين من ثقافات متعاطفة مع حق الفلسطينيين، ونمو لا يمكن إغفاله للاتينيين من أصول جنوب أميركية في الولايات المتحدة وهم في أغلبيتهم العظمى من الطائفة الكاثوليكية التي لا توافق النهج الإنجيلي المتطرف والمؤمن بتفسيرات مغايرة تخص سفر النبوءات وعلامات نهاية الزمان والتأييد المطلق لدولة إسرائيل الكبرى.

المحرقة الإسرائيلية بحق سكان غزة بأسبابها المختلفة ستكون كرة الثلج التي ستغير الانطباع الذهني للغرب ورأيه العام بحق إسرائيل، حتى لو احتلت إسرائيل غزة بأكملها وهجّرت أهلها... في عيون العالم إسرائيل ستكون المتسببة في المحرقة هذه المرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غزة حصار وإبادة ومجاعة ومحرقة غزة حصار وإبادة ومجاعة ومحرقة



GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

GMT 06:58 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان ضحية عدوانٍ مزدوج

GMT 06:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 06:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان فضاء الحياة والإبداع لا الحروب

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt