توقيت القاهرة المحلي 18:58:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ترمب والمرشد والضريح

  مصر اليوم -

ترمب والمرشد والضريح

بقلم:غسان شربل

اقتربتِ الأساطيلُ، وانهمكَ الجنرالات في مراجعة الخرائط. فاحت رائحةُ الحرب. حبستِ المنطقة أنفاسها. متاعبُ التعايش مع النهج الإيراني المتعب أقلُّ تكلفة من التعايش مع انهيار النظام الإيراني. ارتفعتِ المناشدات وتحرَّكت الوساطات. بدتِ المنطقة عالقةً في اختبار قوة مفتوح على كل الاحتمالات. يصعب أن تعودَ الأساطيل إلى موانيها الأصلية من دون ثمن يبرر تكاليف رحلتِها الباهظة. يصعب أيضاً أن ينحنيَ النظام الإيراني علانية وبوضوح أمام إرادة سيِّد الأساطيل.

في هذا المناخ، اختار المرشد علي خامنئي أن يطلَّ على شعبه والعالم من ضريح الخميني. يصعب التَّكهنُ بالأفكار التي راودتِ المرشدَ الأعلى إبَّانَ هذه الزيارة اللافتة في توقيتها ومعانيها. هل أرادَ تذكير الإيرانيين بأنَّ النهجَ الحالي هو ما أوصى به الرجل الممدَّد في الضريح، الرجل الذي فجَّر الثورة وغيَّر ملامح البلاد؟ هل أراد تجديد المبايعة والولاء وتأكيد الالتزام بتوجيهات الراحل، وهي أوامر لا تحتاج إلى نقاش؟ هل أراد إبلاغ الإيرانيين أنَّه ليس في وارد القبول بأي تسوية تؤلم ساكن الضريح؟ هل أراد التذكير بأنَّه المؤتمن على الضريح ومسيرة ساكنه، وبأنَّه مفوَّض بإنقاذ البلاد والعباد ومعهم الضريح وساكنه؟ هل تذكَّر المرشد الإرادة الحديدية لسلفه؟ أم تذكَّر حديثه عن تجرُّع السمّ حين فرضت موازينُ القوى عليه القبول بوقف النار مع «نظام البعث الكافر»؟ وهل خطر بباله أنَّ إقناع فوهات المدمِّرات بصرف النظر عن قذف اللهب يحتاج إلى تجرُّع شيء من السّم في ملف النووي وملف الصواريخ وملف الأذرع؟

أصعب المبارزات هي تلك التي يصعب على طرفيها قبول الخسارة أو الاعتراف بها. أحياناً يختار المجروح المكابرة ومضاعفة الخسائر ودفع المغامرة إلى حدود المقامرة. لا دونالد ترمب يرتضي صورةَ الرجل الضعيف، ولا خامنئي يستطيع تتويجَ حياته بها.

منذ توليه موقعه، إثر غياب الخميني في 1989، تصرَّف خامنئي بنوع من تقديس الإرث، ساعياً إلى تفعيل السياسات التي رسم الراحل خطوطها العريضة. لم يكن الإبحار سهلاً؛ خصوصاً حين تشتد العواصف والأنواء. ويمكن القول إنَّ خامنئي تعامل باقتدار أو براعة مع أحداث كبرى هزَّت العالم والشرقَ الأوسط. كانت قبضته في الداخل كاملة ومطلقة، وأجهزته متحفزة للإفادة من أي فرصة. تعامل النظام مع تفكك الاتحاد السوفياتي. ومع الغزو العراقي للكويت. وتعامل في القرن الجديد مع هجمات 11 سبتمبر (أيلول). وتعامل بمرونة وبراعة مع الغزو الأميركي للعراق، الذي وفَّر له فرصة ذهبية للتدفّق في الإقليم. وهكذا بدأ زمن الجنرال قاسم سليماني القريب من عقل المرشد وقلبه. رابطت إيران داخل التركيبة العراقية الجديدة. وصارَ نظام بشار الأسد أشبهَ بجسر عبور إلى لبنان؛ حيث رابطت إيران على ضفاف المتوسط، ورابطت عبرَ «حزب الله» على حدود إسرائيل. وفي سنواتِ التَّمدد تلك، صعدَ الحوثيون، واندفع علي عبد الله صالح إلى مصير ذكَّر بمصير رفيق الحريري.

خامنئي الذي يستطيع تذكُّر اختراقات وإنجازات، هو أيضاً رجل بجروح كثيرة. لا يستطيع أن ينسى يوم أبلغوه أنَّ سليماني تحوَّل جثَّة متفحمة قرب مطار بغداد. وأنَّ الصاروخَ يحمل توقيعاً صريحاً هو توقيع دونالد ترمب. وأنَّ الثأر كان أقلَّ بكثير من موقع الرجل ودوره. لقد تجرَّأ ترمب على ارتكاب ما تفاداه أسلافه. قتل سليماني، وهزَّ صورة إيران. تحدَّى المرشد وساكنَ الضريح معاً.

انقضى زمن الاختراقات والإنجازات المتلاحقة. إنَّه الآن رجل بجروح كثيرة. لم تدم بهجة «الطوفان» طويلاً. جاءت الأساطيل واقتربت المدمرات لقلب المعادلات. ثم جاء زمن الجروح المتعاقبة. أرسل رجلٌ متوحش اسمُه نتنياهو طائراتِه المتوحشة، وأنزلت بـ«محور الممانعة» عقاباً شديداً. توالتِ الجروح. جرح إسماعيل هنية في قلب طهران وكان ضيفَ المرشد. وجرح حسن نصر الله في بيروت، وهو كانَ كسليماني قريباً من عقل المرشد وقلبه. وجرح السنوار و«طوفان السنوار». وجرح رؤية أحمد الشرع يقطع ممر النفوذ والصواريخ، ويجلس على كرسي الأسدين، وتُفتح له أبوابُ البيت الأبيض والكرملين. وكان يمكن احتمال كلّ هذه الجروح لولا ما هو أقسى منها. مشهد الطائراتِ الإسرائيلية تحتل سماءَ طهران، ومشهد قاذفات قاتل سليماني تنهال على المنشآت النووية.

ما أصعبَ زمن الانسحابات يطل بعد زمن الفتوحات! كانت إيران تقاتل على خرائط الآخرين. بالوكلاء والجيوشِ الصغيرة الحليفة التي ملأت خرائطَها بالأنفاق والصواريخ والمُسيَّرات. ما أقسى أن يُقال إنَّ إعادة إعمار غزة مرهونة بنزع سلاح «حماس»! وما أقسى أن يُقال إنَّ إعادة الإعمار في لبنان مرهونة بنزع سلاح «حزب الله»! المشهد مؤلم. لم يكتفِ ترمب بتقليم الأظافر. تمسَّك بقطع الأصابع والأذرع، وهاجم المصنع- الأم.

ثلاث سنوات تفصل عن نهاية عهد ترمب. ثلاث سنوات تفصل الثورةَ الإيرانية عن إطفاء الشمعة الخمسين. لا الأفراد يستطيعون الفرار من بصمات العمر، ولا الدول والثورات تستطيع. إسكاتُ الاحتجاجات بالقسوة المفرطة علاجٌ يعمِّق سوء التفاهم بين الثورة ومن وُلدوا في ظلها. النَّفخُ في جمر الأيام الأولى لا يحلّ المشكلة. وفي الاشتباك مع الخارج عليك الالتفات إلى الداخل. وأسلحة الخارج كثيرة. الإعلام الذي ينشر ما كان في السابق أسراراً. والدولار الذي يواصل قهر العملة الوطنية وحامليها. وصورة النظام بعد إدراج أوروبا «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب.

يعرف خامنئي أنَّ ترمب يضع النظامَ أمام خيارات مُرَّة: يتغيّر على يد رجل من الداخل، أو يتصدّع على يد رجل من الخارج. كأنَّ ترمب يطالب الثورة بأن تتقاعدَ تحت عباءة الدولة. وأن تستمعَ إلى الناس ولغة العصر. وأن تشيِّعَ لغة «تصدير الثورة» إلى مثواها الأخير. وأن يتقاعدَ الضريح الإيراني كما تقاعد الضريح الصيني. لا يستطيع المرشد قبول مطالب ترمب. لا يستطيع أيضاً التمسُّك إلى ما لا نهاية بترك إيران تُحكَمُ من الضريح.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب والمرشد والضريح ترمب والمرشد والضريح



GMT 08:27 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

الفساد وخفة دم الأردنيين !

GMT 07:42 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

تقليد الفشل

GMT 07:40 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

بين أبي تمام وإيلون ماسك

GMT 07:39 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

هل تصبح إسرائيل أقلَّ شراسة؟

GMT 07:37 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

لبنان و«العيش داخل كذبة»

GMT 07:35 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

ما يقال وما ينبغي ألّا يقال!

GMT 07:34 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

دافوس ٢٠٢٦ وعصر الذكاء الاصطناعى

GMT 07:33 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

فى انتظار الوفد

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 10:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 02:16 2017 الأربعاء ,11 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أسعار البقوليات في الأسواق المصرية الأربعاء

GMT 18:37 2024 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

أنجلينا جولي في فيلم جديد عن الموضة والأزياء

GMT 16:35 2019 الخميس ,21 آذار/ مارس

منصور يعلن خوض المباريات بحكام أجانب

GMT 17:38 2018 الإثنين ,31 كانون الأول / ديسمبر

ارتداء الجاكيت الجلد لن يتعارض مع أناقة حجابك بعد الآن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt