توقيت القاهرة المحلي 23:17:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دروس الزلزال والخرائط المعلقة

  مصر اليوم -

دروس الزلزال والخرائط المعلقة

بقلم:غسان شربل

كانتِ الحربُ الأخيرةُ في الشرق الأوسط زلزالاً بمجرياتِها ونتائجها. زلزالٌ يضاف إلى زلازل سبقته مثل حرب 1967 وحرب 1973 وزيارة السادات إلى القدس وانتصار الثورة الإيرانية والغزو الأميركي للعراق. ومن عادةِ الزلازل أن تتركَ بصماتها على مصائرِ الشعوب والخرائط خصوصاً في ضوء ما يستنتجه أهلُ القرار في مسرح الزلزال وعلى أطرافه.

كنت ذاتَ يومٍ أراجع مع الدكتور أسامة الباز مديرِ مكتبِ الرئيس حسني مبارك صفحات من تجربته. وكانَ الموضوع الأولُ رحلةَ الرئيس أنور السادات إلى القدس وما تبعهَا. حكَى لي قصةَ زيارة السادات إلى دمشقَ قبل الرحلة الشهيرة والانزعاج الذي بدا على وجهِ الرئيس حافظِ الأسد حين أبلغَه الزائرُ بقراره.

نَقلَ عن السادات قولَه لاحقاً إنَّ على القائد أن يغامرَ أحياناً بقرار صعبٍ وغير شعبي إذا استنتجَ أنَّ القرار مصيريٌّ بالنسبة إلى مستقبل بلاده. وأضاف أنَّه يحترم قرارَ الأسدِ الذي أعطى الأولويةَ لسلامة نظامِه وصورته، لكنَّه أعرب عن خشيته من أن تضطرَ سوريا إلى سلوكِ طريق السَّلام في ظروفٍ أصعب وأن تحصلَ على ما هو أقلّ ممَّا كان يمكن أن تحصلَ عليه لو انضمَّ الأسدُ إلى السادات، والأمر نفسُه بالنسبة إلى ياسر عرفات.

قالَ الباز إنَّ فكرة زيارة القدس لم تأتِ من الأميركيين بل من السادات وهي كانت نتيجةَ قراءته لأوضاع مصرَ الاقتصاديةِ وحاجتها إلى السلام وقراءته لميزان القوى وللعلاقة الاستراتيجية بين أميركا وإسرائيل وتضاؤل ثقلِ الاتحاد السوفياتي. وزاد أنَّ السياسات المفتقرة إلى بعد النَّظر لا تساهم إلا في إطالة الآلام. على دولنا أن تلتحقَ بركب التَّقدم والتنمية وأن تبحثَ عن استعادة حقوقها بغير المدافع والقتلى والجرحى.

تذكرت كلامَ الباز وأنَا أتابعُ سلوكَ سوريا الحالية وقرارها الخروج من الشق العسكري على الأقل من هذا النزاع. تذكَّرته أيضاً وأنا أرَى المقاتلات الإسرائيلية تنهال بالموتِ على حاملي الطناجرِ الحالمين بإبعاد الجوعِ عن أطفالهم في غزة. واستوقفني سلوكُ الباز في نهايةِ الجلسة الثانية. شعرَ أنَّه ذهب بعيداً في امتداح السَّادات في ظلّ عهد مبارك. التفت إلى جدرانِ مكتبه، وقالَ يمكن أن نقولَ أكثر في عشاء في أحدِ مطاعم القاهرة وكأنَّه كانَ يلمّح إلى أنَّ للجدران آذاناً في بلداننا.

استوقفني تلميحُه إلى السَّياسات قصيرة النَّظر. السَّياسات التي تفضّل تركَ الأزمات في عهدة طبيبٍ اسمُه الوقت أو تفضل الانتصار الحالي، على رغم تكاليفه، على الحلولِ الدائمة وعائداتها. بنيامين نتنياهو أستاذ في هذه السياسات التي أدمتِ المنطقة. في لقائه الأول مع عرفات قالَ له بصراحة تقترب من الفظاظة إنَّه ليس مؤيداً لاتفاق أوسلو. فعلَ لاحقاً كلَّ ما في استطاعته لإسقاط الشريك الفلسطيني الشرعي متمسكاً بحلم شطبِ الشعب الفلسطيني والاستيلاء على ما تبقَّى من أرضه.

في المقابلِ يمكن الحديثُ عن الدَّور الذي لعبته العملياتُ الانتحارية التي أطلقتها «حماس» و«الجهاد الإسلامي». أدَّت العمليات الانتحارية إلى عسكرة الانتفاضة الفلسطينية وَوَقَعَ عرفات نفسُه في إغراء العسكرة لمنع «حماس» و«الجهاد» من استقطاب الشارع الفلسطيني.

في هذا الوقت كانَ المجتمع الإسرائيلي ينطلق في رحلة الانحياز إلى اليمين وراح برنامج نتنياهو يتقدَّم. حاول الرئيس محمود عباس إبقاءَ القرار الفلسطيني في عهدة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لكنَّ انقلابَ التوازنات بعد الغزو الأميركي للعراق قلّصَ تماماً قدرتَه بعدما تقدَّمت إيران في برنامج الصواريخ والأنفاق ليصبحَ قرار الحرب مع إسرائيل في يدها. وهكذا صار مصير غزة والضفة والجولان ولبنانَ جزءاً من النزاع الإيراني - الإسرائيلي الذي دار بالواسطة لسنوات طويلة حتى انفجر أخيراً في مواجهة على مسرحه الفعلي أي على أراضي الطرفين.

في السنوات الأخيرة بدت جملةُ خرائطَ في المنطقة معلقةً على مصير النزاع بين إيران وإسرائيل وعلى مصير الخلاف المستحكم والطويل بين أميركا وإيران. خلال هذه الفترة قالت طهران مراراً لزائرين بينهم الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني إنَّها مستعدة للتفاوض مع الأميركيين «من أفغانستان إلى لبنان» لكن التفاهمات لا تشمل «الغدة السرطانية» التي كانَ المرشد علي خامنئي يشدّد على وجوب استئصالها.

نحن الآنَ أمام مشهد رهيب فعلاً. الآلة العسكرية الإسرائيلية في ذروة توحّشها وتفوقِها. وإيران مجروحةٌ من رؤية تشييع جنرالاتها وعلمائها بعد سيطرة المقاتلات الإسرائيلية على أجوائها على مدار أيام. والضربة الأميركية لمنشآتها النووية رسالة بالغة القسوة والدلالات حتى ولو أعلنت طهران انتصارَها في الحرب.

واضح أنَّ أميركا هي حارسة وقف النار بين إيران وإسرائيل. وأنَّها الممر الإلزامي لإبرام اتفاق ينهي مذبحة غزة. وأنَّها الوحيدة القادرة على مساعدة لبنان إذا قرَّرت لجم التَّغول الإسرائيلي. والقادرة على إبقاء العراق خارج جاذبية النَّار وترسيخ إقامة سوريا في موقعها الجديد. لكن السؤال هو هل تستنتج إدارة ترمب أنَّه يجب إرغام إسرائيل على سلوك طريق السلام مع الفلسطينيين؟

مصير الخرائط معلَّقٌ أيضاً على ما يستنتجه نتنياهو من حروبه على الجبهات المتعددة. ومعلَّقٌ أيضاً على ما يستنتجه خامنئي بعد مشاهد التشييع والقصف الأميركي للمنشآت النووية. لا بدَّ من فترة هدوء لاستكشاف ما إذا كانت المراجعة ممكنة. هل يمكن أن تقوم في إسرائيل حكومة قادرة على اتخاذ قرار صعب من قماشة التوجّه نحو حل الدولتين؟ وهل يمكن أن تبرز في إيران رغبة في العودة إلى سياسات أقل خطورة ومجازفة؟ مصيرُ شعوب وخرائط معلَّق على ما يستنتجه ترمب ونتنياهو وخامنئي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دروس الزلزال والخرائط المعلقة دروس الزلزال والخرائط المعلقة



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt