بقلم:عزة كامل
فى كل مرة حين يضيق بى العالم، فأصعد إلى سطح المنزل وأفر من وحشتى لكى أستمتع بدفء الأغنيات التى يبثها الراديو الترانزستور الذى مازلت أحتفظ به حتى الآن، رغم أنه أصبح من العاديات، وفى ذات ليلة، رأيته لأول مرة يقف على باب حجرة السطح، وجدت نفسى مندفعة إليه، تبادلنا التحية، وعلمت أنه مستأجر لحجرة السطح، توالت الليالى، وفى كل مرة أراه يجلس بمفرده شاردًا، وأحيانا متعكر المزاج، يدور حول نفسه، فأنكمش وأهرب بسرعة، وفى اليوم التالى عندما أصعد إلى السطح نتبادل نظرات منكسرة، فأنكمش فى مكانى، ولا أعرف ماذا أفعل، ثم يبادر هو بالجلوس على الحصيرة وينقر الأرض بعصا خشبية، فى إحدى المرات، تشجعت وجلست بجواره، كنت أشعر بوحشته وضيقه، وفجأة انفجر فى البكاء، فمسحت دموعه، وهيأت نفسى للجلوس والإصغاء إلى حكاياته التى تجعله وتجعلنى أذوب ألمًا، كانت حكايته الأولى قاسية ومؤلمة، قال لى: «ما أقسى الحياة عندما تسلبك أحد أبويك وتجعلك يتيمة، وأنت لاتزالين صغيرة، اليتم يقتات القلوب ويجعلك تتأرجحين بين الهشاشة والقوة، نحن لا نشفى من الحزن، بل نتعلم كيف ندفنه داخلنا»، فقررت أن أرسم مسارًا مختلفًا لحياتى، سافرت وذقت طعم الغربة، عشرون عامًا أمضيتها غريبًا ووحيدًا، قذفت بى للغربة التى جعلت الوحشة تنمو بداخلى، عذبتنى، وجاش حنينى إلى أمى وإلى حضنها الدافئ، وطعامها الذى لا مثيل له، فقررت العودة، وعندما عدت وجدت أمى شبه ميتة، مشلولة، وبعد يومين من رجوعى، «ماتت»، وكأنها كانت تنتظر عودتى حتى تسلم روحها لبارئها، اعتقدت أن الغربة انتهت بالعودة إلى الوطن، ولكن الغربة استوطنتنى، لا أهل، لا أصدقاء، لقد ابتلعتنى الغربة مرتين، مرة عندما غادرت الوطن، ومرة عندما ماتت «أمى».
كان صوته يتلاشى عند نهاية الحكاية، ويصبح جسده خليطًا من الفوضى والجنون، حكايات كثيرة نثرها على سمعى، فشلت فى ترويض الصخب الذى يتلظى داخله، لأنه يتوق للحرية، ويعشق العزلة، لقد ابتلع علاجه النفسى كل مدخراته، وباع بيت أمه، وسكن حجرة السطح، هرب من الغربة فاستوطنته، حاولت أن أخرجه من عزلته ومن كآبته ولم أنجح، شعرت بأننى أعيش معه داخل فقاعة كبيرة، وقررت أن أفجرها، أحضرت له ملابس جديدة وأجبرته على ارتدائها فورًا، وقدته من يده وذهبت به إلى شاطئ النهر، خفقت بجناحى عاليًا، وتبعنى كالمسحور وشعرنا بأننا نجمان فى هذا الفضاء، وأن الحياة حلوة وتستحق أن تعاش.