توقيت القاهرة المحلي 09:02:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عندما استوطنته الغربة مرتين

  مصر اليوم -

عندما استوطنته الغربة مرتين

بقلم:عزة كامل

فى كل مرة حين يضيق بى العالم، فأصعد إلى سطح المنزل وأفر من وحشتى لكى أستمتع بدفء الأغنيات التى يبثها الراديو الترانزستور الذى مازلت أحتفظ به حتى الآن، رغم أنه أصبح من العاديات، وفى ذات ليلة، رأيته لأول مرة يقف على باب حجرة السطح، وجدت نفسى مندفعة إليه، تبادلنا التحية، وعلمت أنه مستأجر لحجرة السطح، توالت الليالى، وفى كل مرة أراه يجلس بمفرده شاردًا، وأحيانا متعكر المزاج، يدور حول نفسه، فأنكمش وأهرب بسرعة، وفى اليوم التالى عندما أصعد إلى السطح نتبادل نظرات منكسرة، فأنكمش فى مكانى، ولا أعرف ماذا أفعل، ثم يبادر هو بالجلوس على الحصيرة وينقر الأرض بعصا خشبية، فى إحدى المرات، تشجعت وجلست بجواره، كنت أشعر بوحشته وضيقه، وفجأة انفجر فى البكاء، فمسحت دموعه، وهيأت نفسى للجلوس والإصغاء إلى حكاياته التى تجعله وتجعلنى أذوب ألمًا، كانت حكايته الأولى قاسية ومؤلمة، قال لى: «ما أقسى الحياة عندما تسلبك أحد أبويك وتجعلك يتيمة، وأنت لاتزالين صغيرة، اليتم يقتات القلوب ويجعلك تتأرجحين بين الهشاشة والقوة، نحن لا نشفى من الحزن، بل نتعلم كيف ندفنه داخلنا»، فقررت أن أرسم مسارًا مختلفًا لحياتى، سافرت وذقت طعم الغربة، عشرون عامًا أمضيتها غريبًا ووحيدًا، قذفت بى للغربة التى جعلت الوحشة تنمو بداخلى، عذبتنى، وجاش حنينى إلى أمى وإلى حضنها الدافئ، وطعامها الذى لا مثيل له، فقررت العودة، وعندما عدت وجدت أمى شبه ميتة، مشلولة، وبعد يومين من رجوعى، «ماتت»، وكأنها كانت تنتظر عودتى حتى تسلم روحها لبارئها، اعتقدت أن الغربة انتهت بالعودة إلى الوطن، ولكن الغربة استوطنتنى، لا أهل، لا أصدقاء، لقد ابتلعتنى الغربة مرتين، مرة عندما غادرت الوطن، ومرة عندما ماتت «أمى».

كان صوته يتلاشى عند نهاية الحكاية، ويصبح جسده خليطًا من الفوضى والجنون، حكايات كثيرة نثرها على سمعى، فشلت فى ترويض الصخب الذى يتلظى داخله، لأنه يتوق للحرية، ويعشق العزلة، لقد ابتلع علاجه النفسى كل مدخراته، وباع بيت أمه، وسكن حجرة السطح، هرب من الغربة فاستوطنته، حاولت أن أخرجه من عزلته ومن كآبته ولم أنجح، شعرت بأننى أعيش معه داخل فقاعة كبيرة، وقررت أن أفجرها، أحضرت له ملابس جديدة وأجبرته على ارتدائها فورًا، وقدته من يده وذهبت به إلى شاطئ النهر، خفقت بجناحى عاليًا، وتبعنى كالمسحور وشعرنا بأننا نجمان فى هذا الفضاء، وأن الحياة حلوة وتستحق أن تعاش.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما استوطنته الغربة مرتين عندما استوطنته الغربة مرتين



GMT 08:27 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

خواطر في زمن الحرب

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 08:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حالة الحرب والزحام على التحليل السياسي

GMT 08:07 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt