بقلم:عزة كامل
«مؤلمة هى الحقيقة، مؤلمة هى عتابات الكشف بعدما تطرق الأبواب ولا أحد يفتح، وتلوى مجسات الخوف لتمارس هوايتها المفضلة، وتصيب الجميع بالشلل»، لا أعرف من الذى كتب هذه العبارات، واحتفظت بها سنوات طويلة، هكذا حدثت صديقتى وأنا أطوى الورقة التى قرأت منها هذه الكلمات، نظرت إلىّ بدهشة واستنكار، وقالت: لماذا دائما تلجئين لقراءة نصوص تغمرها الكآبة، لماذا ترين كل سيئ من نظارة سوداء؟!، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت لها: يا صديقتى إنها غربة الروح، التى لم تمر بها بعد، بئر الليل جائع، صرخت فى وجهى: ماذا تقصدين؟ قلت لها: هل تعتقدين أن تحويل المشاعر إلى لغة نابضة بالرومانسية سيبدّد هشاشة الظلام؟، العالم كذبة كبيرة، والليل ينساب على ما تبقى من الروح الهائمة، فالكذب يكسو الأرض ملحا وجروحا، والسماء خالية من القمر لأنه لقى حتفه والنجوم ما عادت تبرق، والشعراء والزجالون أصبحت كلماتهم مبعثرة فى حواش رسائل ضائعة لا تصل أبدا، والبيوت والطرقات مطلة على الأسى، وأنا كمثل سحابة ثقيلة معلقة حمولتها بين السماء والأرض، أمضى صعودا وهبوطا ممزقة بالحيرة والشك، والحياة تتسلل من بين يدى، أجاهد كمن يحاول عبور مناطق صخرية موحشة محاطة بالطحالب والثعابين، تخامرنى الأفكار الغربية الضبابية وأنا أركض وراء الحقيقة أريد أن أمسك بتلابيبها، الحقيقة التى أسقطتنى من علو شاهق وسخرت منى، الأرض جافة جحود، خيل لى دائما أننى أحلم وكل ما أراه وأفكر فيه لم يكن إلا توهم، قاومت وأخذت أصرخ لنفسى: انهضى أيتها المتعبة، استيقظى من نعائم، وعندما استيقظت وجدت روحى هائمة مثل سفينة متعبة تبحث عن مرفأ ترسو عليه، مرفأ حنون يحتويها، لقد كنت مثل شجرة زيتون تنتصب شامخة، تمتد جذورها إلى أبعد مدى فى جوف الأرض، تقف وحيدة فى وجه الأعاصير والرياح وبعد فترة فقدت صلبتها وغدت هشة فقلعتها الريح، وها هو القمر بارد، والكلاب تعوى والبوم ينعب، والريح تزأر وتئن، والساعات تلهث واللعنات تتكاثر والجحيم يستعر، والقلب ينخر فيه السوس ورائحة موت عتيقة تنتشر، يا صديقتى إن الصحراء تمتد وتتسع وتتغول، إننا نحملها فى داخلنا، نهضت صديقتى من أمامى مذهولة حيرى وقالت بحدة: إنك عدوة نفسك، ما الذى تفعلينه، ماذا جرى لك؟ الحياة جميلة ودروب جميلة لم تطأها قدماك بعد؟ اخلعى نظارتك السوداء وودعى جنونك القاسى المتشدد حتى تطمئن روحك وتهجع، قلت لها بتشف: ما أنا إلا أنت.