توقيت القاهرة المحلي 23:39:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان وصراع التذرع برفض الموازنة

  مصر اليوم -

لبنان وصراع التذرع برفض الموازنة

بقلم:حنا صالح

الموازنة مرآة للوضع العام في أي بلد؛ ولا تُحَمَّل ما لا تحمله أرقامها، ولا يمكن تزيين ثغراتها. والموازنة؛ التي أقرها البرلمان اللبناني مؤخراً، واكبها انقسامٌ عمودي بين المواطنين والمنظومة السياسية؛ إضرابٌ عام شلّ مؤسسات الدولة، واعتصاماتٌ جمعت الموظفين والمعلمين والمتقاعدين، وحملت مطلب إعادة النظر في الرواتب المتآكلة... وقد جاءت تستنسخ بمحاورها الرئيسية موازنات عكست تمادياً في إفقار الفئات الأشد عوزاً، مع زيادة الضرائب غير المباشرة، وتوجه لحسومات على الرواتب التقاعدية التي تغطي بعض احتياجات المسنين، وإهمال شتى أحزمة الحماية الاجتماعية، خصوصاً الاستشفاء.

توازياً؛ أبرزت الموازنة محاباة الأثرياء «المحظوظين» بتغييب الضريبة على الثروة، والامتناع عن تحصيل حقوق الخزينة (مليارات الدولارات مترتبة على شاغلي الأملاك البحرية والمقالع والكسارات) وغيرها... كما افتقرت إلى أي رؤية إصلاحية، في تجاهلٍ لتفشي الفساد والسطو على المال العام، ومسببات الانهيار الذي انفجر في عام 2019 مع انكشاف سرقة الودائع، في سابقة لم يَعرف لها مثيلاً أيُ بلد في التاريخ.

حملت الموازنة تمديداً لأزمات البلد، وأبرزت هشاشة في الرؤى قد تتسبب في «تشرين آخر» يحاكي «ثورة تشرين (أكتوبر)» 2019؛ لأنها تضمنت معالم عقاب جماعي للناس. لكن التصويت النيابي، على خلفية سعي حثيث لإسقاطها، مع ما يرمز إليه ذلك من سحبٍ للثقة من الحكومة، فضح المستور. تصدع «التضامن الوزاري»، وبرزت ازدواجية المعايير، وتقدم الارتباط المصلحي لأطرافٍ في الحكومة؛ التي تعكس في تركيبتها ملامح كونفدرالية لأحزاب وقوى طائفية. وبغية إزالة كل لبس أو إبهام، فما من رابطٍ مطلقاً بين السعي إلى عدم إقرار الموازنة لمضمونها الخطير على الفئات المهمشة، وانعدام الرؤية الإصلاحية، فكل ذلك كان مُغيّباً، سواء أكان خلال جلسات مجلس الوزراء لإقرار الموازنة بوصفها مشروعاً، أم من خلال عمل اللجان النيابية التي رفعت المشروع إلى الهيئة العامة للبرلمان على هذا الشكل.

قال نائب رئيس الحكومة طارق متري: «هناك كتلة نيابية ممثلة بالحكومة شاركت في نقاش الموازنة... صوتت ضدها (...)»، مضيفاً أنه لم يشهد مثل هذا الحدث في أي بلدٍ بالعالم، ليصوب على الخطر بقوله حيال تصويت نواب حزب «القوات اللبنانية»: «موقف التصويت ضد الموازنة هو تصويت ضد حكومة هم شركاء فيها»! ولئن كان الدستور لا يلحظ ضرورة استقالة الحكومة إذا أُسقطت الموازنة، فإن هذا النوع من التصويت سيعني ليّ ذراع الحكومة، لتتحول إلى حالةٍ من تصريف أعمال، ومع شخصية مثل نواف سلام على رأسها، فستكون مرجَّحةً مسارعتُه إلى تقديم الاستقالة. إذّاك كيف يمكن رؤية ما ستؤول إليه الأمور؟

حتماً كانت ستفضي إطاحة الحكومة إلى إسقاط الغطاء السياسي عن خطة الجيش نزع السلاح اللاشرعي بما يقوي الدولة لإنجاز التحرير واستعادة الأسرى وحماية الجنوب وكل لبنان. ومع تضييع الفرصة الضيقة لاستعادة الدولة المرجع للقرار والتي تحمي الجميع، فالخطر الكبير إذّاك عودة «لبنان الساحة»؛ مما يعني بقاء الاحتلال وتمدده. وإذ كانت قوى بعينها فاتتها أرجحية هذا الاحتمال، فإن مشهد التذرع برفض الموازنة أسقط «ورقة التوت» عن معركة مسبقة خاضتها قوى مرتبطة مصلحياً، أكثر من سواها، بالكارتل المصرفي. وكان العنوان بقاء القديم على قدمه لجهة تذويب الودائع وتثبيت مصادرة الحقوق، لتتظهر الأبعاد الأخرى الخطيرة برفض مشروع «الفجوة»، ورفض ما رتبه من تكلفة متواضعة على الكارتل المصرفي لا تتجاوز الـ15 في المائة من حجم المَنْهَبَة، وهو رقم متواضع حيال ما نُهب من أموال؛ هي جنى أعمار الناس، جرى تحويلها إلى الخارج. فما الأهداف التي يُراد فرضها؟

لقد ارتاح هذا الفريق إلى ثغرات جوهرية كرّسها مشروع «قانون الفجوة»، أهمها أنها تُسقط مبدأَيْ «المحاسبة» و«التدقيق الجنائي»، وهما سلاح إرساء العدالة على قاعدة الكشف عن كيف تكوّنت الودائع، وأبعاد فساد الهندسات المالية والرشى التي رافقتها... فيعمل على خلق ظروف مواتية لاستكمال المَنْهَبَة بهدر مخزون ذهب لبنان. لم يتغير الهدف رغم تبدُّل بعض الوجوه، والغاية نهبٌ أكثر واستكمالُ حلقات مخطط حماية المرتكبين. وكل يوم يمر يشهد مزيداً من الدعوات إلى تسييل الذهب، أو بعضه، يتشارك فيها وزراء ونواب وسياسيون كما القطاع المصرفي والمستفيدون من الانهيار، فيما الواقع الناطق يؤكد أن المخزون الذهبي هو الاحتياطي الاستراتيجي للبلد الذي يعول عليه للنهوض، يوم يصبح للبنان قضاؤه المستقل وسلطة سياسية نزيهة وشفافة.

أكثر فأكثر توضحت الصورة، فحكومة؛ في زمن ما بعد كارثة حرب «الإسناد» وكل زلازل المنطقة، تطغى على تركيبتها حالة كونفدرالية طائفية حزبية، هي عنوان لتعميق الأزمة ومعاقبة اللبنانيين، وليست أداةَ حلٍ حقيقيٍ وإنقاذٍ تأخر. كل ذلك يؤكد أنه لا مخرج للبلد من هذا الاستعصاء إلا بإنهاء الخلل الوطني في موازين القوى؛ مما يتطلب مبادراتٍ جادةً وعملاً شعبياً حثيثاً لبلورة ميزان القوى البديل الذي يمنع اقتصار التغني على عنوان «السيادة على حصرية السلاح»؛ على أهميته وأولويته، بل ويصر أيضاً على أولوية مكافحة الفساد وضمان العدالة بعدم تغطية الجهات التي استفادت من المَنْهَبَة المكشوفة غير المسبوقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان وصراع التذرع برفض الموازنة لبنان وصراع التذرع برفض الموازنة



GMT 08:41 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

السيف يسقط قبل الرؤوس

GMT 08:40 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

إِنْ أُعدمت العلوم الإنسانية فأبشروا بالجهل!

GMT 08:37 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

هرمز... مضيق يهمُّ العالم بأسره

GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

الفلسطينيون والحرب على إيران

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

لهدنة المرتعشة

GMT 08:33 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

ليبيا... ليس في الإمكان أبدع مما كان

GMT 08:31 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

مع إيلون ماسك «التقنية غير مخيفة»

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

لبنان: بداية تغيير رغم العثرات

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 20:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي
  مصر اليوم - دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:36 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 09:25 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

نصائح لتحويل مكتبك المنزلي إلى بيئة صحية ومنتجة

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 18:56 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

مدفيديف يحرز لقب كأس الدرعية على حساب فونيني

GMT 11:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أخطاء شائعة تجنبيها عند شراء المجوهرات

GMT 21:53 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الشواطئ والمناظره الطبيعية لقضاء شهر عسل في قبرص

GMT 05:57 2020 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

طريقة إعداد وتحضير الدجاج بحليب جوز الهند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt