توقيت القاهرة المحلي 10:07:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

انتصار محمد يونس

  مصر اليوم -

انتصار محمد يونس

بقلم:سوسن الأبطح

وسط المشاهد القاتمة، يأتينا بصيصُ أملٍ من بنغلاديش، بلد الفيضانات والأعاصير التي ارتبطت أخبارها طويلاً بالفقر والمجاعات والانهيارات الأرضية، والانقلابات، لكن أيضاً بالقفزات الطموحة، من تعليم ونمو فاقا التوقعات، وقيل إنها ستلحق بالنمور الآسيوية.

سجلت رئيسة الوزراء المستقيلة قسراً، الشيخة حسينة، في سنوات حكمها، خطوات اقتصادية جبّارة، وشهد لها العالم بقدرتها على نقل بلادها صوب استقرار وأمن نادرين. لكنها في النهاية، افترت، وطغت، واتكأت على 15 عاماً في السلطة، وسطوة قوى الأمن ثم الجيش، كي تقمع، وتسكت، وتخفي من يعاندها.

تحرك طلاب الجامعات بعد أن بطشت الشيخة، وظنَّت أنها ورثت العباد عن والدها الزعيم مجيب عبد الرحمن، فسجنت المعارضين، وعاقبت الصحافيين، وكبحت الحريات، وكان ينتظر منها أن تعمل حكمتها وتظهر تسامحها.

الغضب اجتاح الشوارع، وحين خضعت لبعض المطالب بعد أن سالت دماء 300 ضحية، لا سيما إلغاء الحصص في التوظيفات المخصصة لعائلات المحاربين القدامى وذوي النفوذ، وسط بطالة متصاعدة، كان الوقت قد تأخر.

نجت بنفسها الشيخة حين هربت مع شقيقتها إلى الجارة الهند، قبل أن يكتسح المحتجون مقر إقامتها، وأعفت بلادها من أزمة دستورية، والهند من محنة دبلوماسية، حين استقالت.

لا بد أن تشعر بالفرح، لو كنت من دولة، قام جلّ شعبها ذات يوم، بكباره وصغاره، وتظاهر وهتف لشهور ضد استبداد السلطة، ولم يتغير شيء. أما طلَّاب بنغلاديش فكانت قوتهم، في وحدتهم، ورفضهم حكماً انتقالياً للجيش، مطالبين برجل واحد، قلة من اختلفوا على دوره النبيل في تقدم البلاد وتطورها، هو البروفسور محمد يونس، حامل جائزة نوبل للسلام.

الرجل الذي خشيته الشيخة حسينة يوم بدأت تنمو عضلاتها، ومع ذلك صارت تخشى ظلها، فاتهمته بالفساد، وهي ترى فوران شعبيته وتنامي مؤيديه، وخطيئته، أنه فكّر، ذات مرة، بتأسيس حزب سياسي. وجهت ليونس الذي ألهم العالم أجمع بإبداعه الاقتصادي، ما يزيد على مائة تهمة، أقلها «امتصاص دماء الفقراء»، وكلها تدور في فلك الفساد وانتهاك قانون العمل. أدين يونس بالسجن لستة أشهر مع وقف التنفيذ. عدّت المحاكمة «مهزلة قضائية» ورأى محامي يونس أن الشيخة «أرادت الانتقام منه سياسياً، وإذلاله أمام العالم أجمع».

هذا رجل تحركه إنسانيته. حين عاد بعد حصوله على الدكتوراه من أميركا أستاذاً جامعياً، شعر بعجز وعقم كل النظريات التي تعلمها في الكتب. مليون ونصف المليون جائع في مطلع السبعينات قضوا في بنغلاديش أمام أعين يونس، قرر أن يترك الصفوف والكتب، وينزل إلى الأرض، يسأل الناس عما بمقدوره أن يفعل لمساعدتهم. بدأ بقرية واحدة هي «غوبرا». تبين له أن الديون الصغيرة والمرابين، يخنقون السكان، وأن 43 شخصاً قد لا تزيد ديونهم على 27 دولاراً، فأقرضهم من جيبه، واسترد قروضه. أسس بنكه الشهير «غرامين» أو «بنك القرية» الذي تقاسم معه نوبل، وبقروض غاية في الصغر، طويلة الأمد، دون ضمانات تقليدية، انتشل ملايين من مواطنيه من غائلة العوز. لا تتوقف عبقرية يونس على فكرة الإقراض نفسها، بل على ابتكاره، ضوابط محلية نابعة من طبيعة مجتمعه، كي يلزم المستدينين إعادة ما اقترضوه، وتفضيله مساعدة النساء على الرجال، بعدّهن عماد البيت والقادرات على تنشئة الأطفال، والتضحية من أجلهن.

هذه الرؤية الفذّة، الطالعة من احتياجات المجتمع اللصيقة، استنسخت من مصارف في أكثر من أربعين دولة، وعُدّت إنجازاً عالمياً في الفكر الاقتصادي، من رجل أثبت أن عالماً خالياً من الفقر، هو أمر ممكن.

وسّع يونس، نشاطاته، وبلغت قروضه مليارات، شملت التعليم والصحة والسكن، والزراعة ووظفت بنوكه أكثر من مليوني شخص. إنما الشيخة حسينة، لم ترتح يوماً لهذا الرجل الطموح، فقررت أن تحيله إلى التقاعد.

رحلة محمد يونس لم تنته، واحترام مواطنيه له، أعاده إلى الواجهة. ها هو يتم اختياره لتشكيل حكومة انتقالية، تنقذ البلاد من مخلفات أحقاد الشيخة حسينة، وإخفاقاتها الثقيلة، دون أن يؤسس حزباً.

يونس الذي صنع معجزة اقتصادية في أكثر دول العالم فقراً، لعله ينجح في أن يزيح عن بنغلاديش وصمة البلاد «الأكثر فساداً». فتلك كارثة لم تتمكن من القضاء عليها عهود الحكم المتعاقبة. الرجل «مصرفي الفقراء» في الرابعة والثمانين من العمر، يقبل بحماسة الشباب على مهمة قاسية، لإنقاذ بنية إدارية متهالكة، وثلاثين مليون عاطل عن العمل، وإنصاف مساجين رأي بالمئات، والعثور على مفقودين لا يعرف إن كانوا أحياءً أو أمواتاً، ودولة عميقة، ليست بالضرورة مؤيدة له.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انتصار محمد يونس انتصار محمد يونس



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt