توقيت القاهرة المحلي 12:48:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ذكاء بلا أخلاق

  مصر اليوم -

ذكاء بلا أخلاق

بقلم:سوسن الأبطح

بدا نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، في أثناء مشاركته في قمة الذكاء الاصطناعي التي انتهت في باريس يوم الثلاثاء الماضي، صورة عن الرئيس دونالد ترمب، في خطابه الانعزالي والتشاوُفي، المتبرّم. يبقى أن تعامُل الولايات المتحدة على أنها فوق بقية الدول وأن الجميع بحاجة إليها حتى أولئك الذين تستورد منهم، فيما هي مكتفية بنفسها، مسألة لا يمكن أن تستقيم. فأميركا لا تعيش من دون سيارات المكسيك وأيديها العاملة، وبترول كندا، وعقول الهند وأدويتها وهواتفها، ومعادن الصين ولابتوباتها وملابسها.

فانس في الإطلالة الأولى له على العالم بعد تعيينه تكلم أمام الحاضرين بكلمات جافة ومتعالية، ليقول إن أميركا رائدة العالم في الذكاء الاصطناعي وستبقى مهيمنة على القمة، ولن تتخلى عن هذه الفرصة أبداً، ثم انسحب من دون أن يستمع لزملائه من المتحدثين الآخرين، كأنما لا حاجة به إلى تجاربهم وآرائهم.

حذَّر فانس زعماء العالم من إبرام اتفاقات مع «أنظمة استبدادية» توفر «تكنولوجيا رخيصة»، في هجومٍ مبطَّن على الصين الممثَّلة في القمة، لأن هدفها التسلل إلى البنية التحتية لمعلومات الناس والاستيلاء عليها.

كل هذا وصدمة «ديب سيك» لا تزال حاضرة. والهند قد تفاجأ في أي لحظة بما لم يكن في الحسبان. وأوروبا بدورها تتحدث للمرة الأولى عن «نهضة» تذكِّرنا بمخاض «النهضة العربية»، وتدخل سباق الذكاء الاصطناعي بشروطها ورؤيتها وفلسفتها الخاصة، راسمةً طريقاً ثالثاً مختلفاً عن النموذج الأميركي المتضخم، والصيني المحافظ. ثمة اعتقاد لديهم أن اللحاق بالركب في هذا المجال بالذات ممكن دائماً، لا بل التفوق على الرواد أيضاً.

المشاريع الأميركية عملاقة، وأقطابها من سام ألتمان إلى إيلون ماسك وزوكربيرغ، يحصدون إعجاب العالم. لكن الأرحام ولَّادة، وفي لمح البصر ظهر ليانغ وينفينغ (39 سنة) مؤسس «ديب سيك» في الصين ليلمع نجمه. وها هي فرنسا تقدّم لنا نموذجها الخاص «ميسترال» وعلى رأسه شاب صغير أيضاً هو أرثور مانش يقود تجمعاً تنضم إليه 60 شركة بينها «مرسيدس» و«سيمنس» و«إيرباص» و«لوريال». وتعتقد أوروبا أن بمقدورها جمع 200 مليار يورو للدفع بمشروعها الذكي. أما أرثور فيتحدى ويقول بثقة إن أوروبا ستردم الهوَّة بفضل «مهاراتها البشرية الهائلة»، وستستعيد الطاقات المهاجرة إلى أميركا، لا بل ستجتذب الأميركيين أنفسهم الذين سيهجرون الأجواء المغلقة التي يحاطون بها.

أجواء التحدي هذه يولِّدها إحساس أوروبي بجفاء الحليف الأميركي، ورفض التنسيق والتعاون ولو بالحد الأدنى. ففي نهاية القمة رفضت أميركا والمملكة المتحدة توقيع الوثيقة الختامية المشتركة التي وافقت عليها كل الدولة المجتمعة، وبينها الصين واليابان والهند وفرنسا، وهي تؤكد ضرورة «أن يكون الذكاء الاصطناعي مفتوحاً وشاملاً وشفافاً وأخلاقياً وجديراً بالثقة... مع مراعاة أطر دولية للجميع».

وهو ما عدَّه فانس «إفراطاً في التنظيم» من شأنه أن «يقتل صناعة تحويلية في وقت مبكر من انطلاقها».

وبطبيعة الحال لحقت المملكة المتحدة بحليفتها رغم أن رئيس وزرائها السابق ريشي سوناك، كان من أنصار فكرة سلامة الذكاء الاصطناعي، وأول من دعا إلى قمة ناقشت هذه الموضوع.

وكان يمكنك أن تلتمس للدولتين أعذاراً لولا الخطاب الاستباقي الذي قدمه فانس، معتبراً بلده خارج هذا المشروع التنسيقي العالمي، وأرفع منه وأهمّ.

وبينما كان الذكاء الاصطناعي قبل شهر فقط صناعة يمكن اعتبار أميركا على قمتها حصراً، لأنها مكلِّفة، وتطويرها بعيد المنال، فتح «ديب سيك» طاقة أمل حقيقية للعالم أجمع وأولهم الأوروبيون، بتقنياته التبسيطية، وحاجته إلى قدر معقول من الطاقة، وتكاليفه المتواضعة. بل يبدو أن شباناً أوروبيين، بعيداً عن الإعلانات السياسية الضوضائية، يتواصلون مع زملائهم الصينيين في «ديب سيك»، ويتبادلون معهم الخبرات، ولو لم يعجب ذلك السيد فانس.

رغم نزعة الانغلاق، وهيمنة التطرف على السلطات الحاكمة في هذا العالم، فإن شبَّانه يقاومون عجائزهم الآتين من زمن حمائيات القرن التاسع عشر وإمبراطورياته، ويسعون لنمط آخر من التعاون والتقارب.

ولا ننسى أن للدول تطلعاتها وخفاياها أيضاً. ولعل الوجه السلميّ للذكاء الاصطناعي الذي نتحدث عن خطره باستمرار، ليس غايةَ ما يُخشى منه بالضرورة، بل كل الخوف أن يكون التكتم أهمُّ أسبابِه حفظُ أسرار صناعات الأسلحة التدميرية الكبرى التي يراد لها أن تبقى طيَّ الكتمان لمفاجأة الصديق قبل العدو.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكاء بلا أخلاق ذكاء بلا أخلاق



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt