توقيت القاهرة المحلي 23:17:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقتل الديموغرافيا

  مصر اليوم -

مقتل الديموغرافيا

بقلم:سوسن الأبطح

كادت دولُ العالمِ الثالث تعقّم نساءَها، بعد أن ربطَ الاقتصاديون بين كثرةِ الإنجاب وتفشّي الفقر. وبينما لا تزال حبوبُ منعِ الحمل إحدى أهم أدوات هيئات الأمم المتحدة الاجتماعية لمكافحة التَّخلف في الدول المسكينة، يعاني الغربُ من كارثة انخفاض النسل بشكل درامي سيؤثر على كلّ مناحي الحياة.

وبعد أن وجدت أوروبا وأميركا ضالتَهما، لحل أزمتِهما الديموغرافية بفتح الأبواب للمهاجرين، ها هما تكتشفان أنَّ العرقَ الأبيض بات مهدداً في عقر داره، وعليهما إعادة غلق الأبواب بسرعة.

واحدةٌ من بنود ترمب في استراتيجيته للأمن القومي الأميركي التي نشرها مؤخراً، هي الحد من الهجرة إلى أوروبا؛ لأنَّها تتعرَّض لمخاطرَ حضارية، وبعد عشرين عاماً سيصبح لها وجهٌ آخرُ لا نعرفه. وهذا صحيح.

لكنَّ الأمرَ ليس بالسهولة التي يطرحها الرئيس ترمب، وهو يتمنَّى أن يأتيه نمساويون ونرويجيون بدل الصوماليين؛ لأنَّ النمسا والنرويج من أكثر الدول معاناة من نقص الولادات، فمن أين نأتيه بالشقر والشقراوات؟ ففي أكثر الدراسات تفاؤلاً، لم يعودوا يشكّلون أكثر من ستين في المائة من الأميركيين، حتى إنه بات يريد استعادةَ من صدّرهم إلى جنوب أفريقيا ذات يوم.

مليون ونصف المليون مهاجر غادروا أميركا هذا العام. والاستمرار في هذه السياسة سيقضي على 15 مليون وظيفة بحلول عام 2035، بحسب الأميركيين أنفسِهم، فيما المهاجرون غير الشرعيين الذين يراد التَّخلصُ منهم، وصلَ عددُهم إلى 14 مليوناً.

يفترض أن ينجبَ الوالدان طفلين على الأقل للحفاظ على استقرار عدد سكان أوروبا، لكن معدلاتِ المواليد الحالية بالكاد تتجاوز طفلاً واحداً. فهل سيتمكَّن جيلُ الآباء الجدد في ظل الأزمة الاقتصادية من قلب الموازين؟

العام المنصرم شهدَ أدنى معدلات ولادات مسجلة في أوروبا على الإطلاق، في ظاهرة لم تحدث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. حتى فرنسا السخية في مواليدها، تراجعت أرقامها بشدة.

وما يثير القلق أنَّ التدهور الحالي يأتي في ظلّ تشريع أبواب الهجرة، وقبل الاستنفار ضد الوافدين؛ أي أنَّ عدد الذين تم استقبالهم، رغم أن التذمر منهم لم يكن كافياً، وبالأرقام، يتوجب استقدام المزيد. أما ما يطلبه الرئيس ترمب، والذي يتم العمل عليه، فهو فرملة تامة، وتشجيع وصول الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى السلطة التي ستنتهج أسلوبه الانغلاقي، وهذا عواقبه وخيمة.

والحالة هذه، يجد الغرب نفسَه أمام خيارين، بحسب ما يقوله اقتصاديون: إمَّا القبول بتغيير وجه الثقافة لإنعاش الحيوية الاجتماعية، ودفع عجلة الإنتاج، وإما قفل الأبواب والخضوع لشيخوخة تدريجية حتى الذبول.

اليدُ العاملة تنخفض سنوياً بمقدار مليون شخص في أوروبا، وخلال ربع قرن سيفقد الاتحاد 25 مليون عامل. بحسب تقرير «بروجيل» الذي صدر في مارس (آذار) 2025، بعنوان «الفجوة الديموغرافية»، فإنَّ مقابل تناقص عدد السكان في سن العمل في 22 دولة من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي، ستتضاعف نسبة من تبلغ أعمارهم 85 عاماً، مما سيضرب في مقتل أنظمة الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، ويطيح بالقدرة على الدفاع العسكري؛ إذ من الآن لا تتوافر الأعداد للتجنيد في الجيوش، رغم رغبة أوروبا في القتال. وتبعاً لدراسة لمؤسسة «غالوب»، فإن 32 في المائة فقط من الشباب الأوروبي على استعداد للانخراط في أي عمل عسكري قد يطرأ.

في المهن المدنية الأمر ليس أفضل حالاً، تحدثت المفوضية الأوروبية عن نقص في المهارات يطال 42 مهنة، بينها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والرعاية الصحية، والبناء، والنقل. وأكثر من نصف الشركات، لا يعثر على الكفاءات المطلوبة لتسيير أعمالها، ومن بينها شركات الصناعات العسكرية.

أوروبا تعاني من وجود ما يقارب 4 ملايين وظيفة شاغرة لا تجد من يشغلها. ففي ألمانيا مثلاً، رغم استقبال العدد الهائل من السوريين، لا يزال أكثر من مليون وظيفة تنتظر، ونصف هذا العدد في فرنسا.

الكلام على كارثة استقبال المهاجرين في الغرب يحجب مأساة ديموغرافية عدم حلّها هو انتحار جدّي، وليس كلاماً مجازياً. ومع ذلك فإنَّ طرح موضوع شديد الحساسية كهذا، لا يزال خجولاً، وثمة من يريد تغطية الشمس بغربال.

أحد أكثر المتنبّهين للفخ الديموغرافي هو المفكر الفرنسي إيمانويل تود، الذي، مع شهرة مؤلفاته وترجمتها إلى مختلف اللغات، واستقباله على كبريات المنابر العالمية، يفضّل كتم صوته في بلاده؛ لأنَّ كلامه حول خطر انهيار القيم العائلية والدينية، والأزمة الاقتصادية التي أدَّت جميعها إلى كبح الإنجاب وذبول المجتمعات الغربية، وإفقادها وزنها الصناعي والجيوسياسي، هو مما يوجع ويزعج.

لكن من ظريف ما يقوله تود، أنَّه في كتابه الأخير الشهير جداً «انهيار الغرب» درس روسيا وأميركا وأوروبا، ولم يدرسِ الصينَ؛ لسبب بسيط هو أنَّه لم يتوقَّع صعودها المفاجئ بهذه السرعة، بسبب ضعف الولادات، وتراجع الديموغرافيا.

والسؤال الكبير الذي بات يؤرق الباحثين: هل يمكن أن يكون تشغيل المصانع بالروبوتات على الطريقة الصينية، وبالاستغناء عن البشر، هو المخرج الوحيد من هذه المأساة الغربية الطاحنة؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقتل الديموغرافيا مقتل الديموغرافيا



GMT 15:51 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

GMT 15:48 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ترامب وأوكرانيا... والأمن الأوروبي

GMT 15:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مصر وبنين.. فيلم «الباب المفتوح»

GMT 15:43 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الميزة الأساسية لترامب!

GMT 15:41 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الأسئلة الحرجة على جسر بين عامين!

GMT 15:38 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مطلوب نقابة للبلطجية!

GMT 07:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 07:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 01:32 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 20:04 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا
  مصر اليوم - بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 07:47 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 22:26 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

التموين المصرية تسعد ملايين المواطنين بأول قرار في 2020

GMT 01:53 2019 الأربعاء ,11 أيلول / سبتمبر

جنيفر لوبيز تظهر بفستان من تصميم ياسمين يحيى

GMT 01:27 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

فلسطينية وصومالية في مجلس النواب.. وعظمة أميركا

GMT 11:40 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سيدة مصرية تخنق زوجة ابنها خوفًا من الفضيحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt