توقيت القاهرة المحلي 11:06:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جائحة «الوحدة»

  مصر اليوم -

جائحة «الوحدة»

بقلم:سوسن الأبطح

إذا كنت تفترض أن الذكاء الاصطناعي، هو لتأدية مهمات مهنية، أو تقنية، فإن واقع الحال، هو عكس ذلك، تماماً. تبيَّن أن أكثر من نصف مستخدمي البرامج الذكية من صنف «تشات جي بي تي» و«ديب سيك» و«مانوس» وغيرها، يرون فيها بالدرجة الأولى، الرفقة المحببة، والتواصل العاطفي المأمون الجانب، إضافة إلى الطبابة النفسية. ففي زمن التوحد والتوحش، يفضل الإنسان أن يفضفض للآلة، يستشيرها، ويأنس إليها على أن يلجأ إلى صديق أو أحد أفراد العائلة. وإذ ما تأزمت النفس، وضاق الصدر، فلا بأس باستشارة نفسية من طبيب افتراضي. ساعد على ذلك توفر الخدمة الصوتية. حتى أن بعض الأزواج يلجأون إلى تقنية الذكاء الاصطناعي لحل مشاكلهم، ويعجبون بأن لها حساسية على تحليل نبرة الصوت، وفهم ما وراء الكلمات. هذا ما أسروا به للباحث مارك زاو ساندرز، أثناء إجرائه دراسة نشرها في «هارفرد بزنس رفيو» وبحث فيها عن أهم الأغراض التي يستخدم الناس لأجلها الذكاء الاصطناعي اليوم، ورتبها بحسب أولويتها لدى المستخدمين.

جاءت النتائج مختلفة بشكل لافت عن دراسة مثيلة أجراها العام الماضي. وجد أن المستخدمين صاروا أكثر رومانسية وعاطفية، وانسجاماً مع هذه الروبوتات؛ ما كانوا عليه قبل أشهر فقط. فقد باتوا يعتمدونها بصفتها «طبيباً نفسياً» أو «صديقاً حميماً» لمواجهة الضغوط العاطفية، بينما تراجعت استخداماتها في المهام الروتينية والعملية.

الظريف أن الوظيفة الثانية بعد الرفقة والاستشارة النفسية، التي يفضلها عشاق هذه البرامج، وعددهم يتزايد بشكل كبير بحيث يفوق رواد برامج التواصل، هي «تنظيم الحياة»، كرسم جدول لبرنامج يومي، أو ترتيب نظام العمل. وجاء بالدرجة الثالثة «تحديد الهدف» أو العثور عليه، والمساعدة في بلورة الرؤية الشخصية لأمر ما. وهذا استخدام لم يكن أولوية السنة الفائتة.

نتائج أثارت ما يشبه الصدمة. فالشائع أن المرء يستخدم برامج ذكية ليصل إلى معلومات لا لإقامة علاقات ودية. لكن يتضح أن الرابط بات حميمياً، والألفة خلقت حبلاً عاطفياً بين السائل والمجيب، ولو كان مجرد صوت رقمي.

الرومانسية الوليدة بين البشر وآلتهم، دفعت مارك زوغربيرغ الذي لن يترك فرصة إلا ويستثمرها لجني المال، لأن يركز في «ميتا» على إنجاز برامج تعطي أولويتها لسد هذه الحاجات النفسية والشعورية بشكل خاص، وتلبي العطش العاطفي لذوي النفوس المعذبة والحائرة. ويرى أن شركته هي الأمهر في القيام بهذه المهمة؛ ذلك لأنه جمع من البيانات، بفضل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»؛ ما يؤهله ليكون طبيب المعذبين والباحثين عن أنس. فمن أقدر منه على فهم سيكولوجيا مشتركيه، هو الذي أحصى خلجات نفوسهم ونبضات قلوبهم، وبات يعرف ما سيفكرون به قبل أن يمرّ في خاطرهم.

زوغربيرغ بين الأوفر حظاً صحيح، لكنه ليس وحيداً في الساحة. التطبيقات الصينية لوسائل التواصل جمعت بيانات أكثر من مليار ونصف المليار شخص على مدى سنوات طويلة ماضية. وهي من الحنكة بحيث شرّعت برامجها التوليدية الذكية، الجديدة، بالمجان؛ ما يتيح لها جمع أكبر قدر من المعلومات السلوكية، بأقصر وقت، وتعليم نفسها بسرعة. فالمجانية يقابلها الإقبال الكثيف. والشبان الصينيون بدأوا حملة على «تيك توك» ترشدك إلى تطبيق صيني مجاني مقابل كل تطبيق أميركي مماثل، مدفوع، للفوز بأكبر عدد من الرواد، وجمع أدق البيانات.

اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي بهدف تحفيز الإبداع، أو البحث عن معلومات معرفية، وكتابة نصوص، كلها أمور تأتي في ذيل الاستخدامات.

في زمن غربة الإنسان عن أخيه الإنسان، نصف المستخدمين هدفهم فك العزلة الذاتية، وطلب النصح حيث يغيب الصوت البشري المقابل.

تحولات درامية، صارت مصدر وحي، ومنبع رزق مغرياً، لصناع التكنولوجيا، ليصمموا المزيد من المنتجات التي تجاري بؤساء العصر. لهذا؛ يرى الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» جاريد سباتارو أن الرواج سيكون من نصيب منتجات ذكية، تعمل بصفتها مساعداً شخصياً للإنسان. ترسل البريد الإلكتروني، تتبادل الدردشات مع أصدقائه بدلاً منه، ترتب الملفات، تحرره من روتين العمل، وتكون بمثابة شريك فكري وعاطفي أيضاً.

بكلام آخر، لم يعد الجوال أو اللوح الإلكتروني، أو الجهاز المحمول وسائل اتصال وربط مع الآخر، كما أشيع عنها، بقدر ما حولها الذكاء الاصطناعي تدريجياً، إلى أدواتنا المفضلة للتواصل مع أنفسنا أو أشباحنا الخفية. أي أنك تبوح لهذه الأجهزة، بما تخجل أن تعترف به لأقرب أحبائك. أما الخوف على الخصوصية، فالجيل الجديد يسخر من وساوسنا، ويسألون: ماذا بقي لنتحفظ عليه بعد أن صاروا يعرفون كلماتنا السرية، ومضمون مراسلاتنا، وطبيعة المعلومات التي نبحث عنها وحتى أرقام بطاقاتنا وحساباتنا البنكية. فهل بقي ما يستحق حمايته والتضحية من أجله؟

إنها جائحة «الوحدة» التي تهدد البشرية وتعصف بها، كما لم يضربها مثلها من قبل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جائحة «الوحدة» جائحة «الوحدة»



GMT 11:06 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

مزيج السحر والمتعة فى كرة القدم

GMT 11:05 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الفرق بين وزير ووزير

GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt