توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفتنة بورقة الأقليات

  مصر اليوم -

الفتنة بورقة الأقليات

بقلم:د. آمال موسى

إذا طبَّقنا الفكرة التي تقول إن لكل شيء إيجابيات وسلبيات، ومهما كان هذا الشيء قبيحاً ومفزعاً فإن ما يحدث في أكثر من مكان في العالم العربي والإسلامي من توترات وصراعات، إنما يكشف في جزء مهم منه عن الأمراض التي لم نفلح في معالجتها والتي تنهش كينونة مجتمعاتنا وتنقلها من أزمة إلى أزمة وتدور في حلقة ممتلئة بالحقد الدفين الذي ما إن يجري تحريكه وتوظيفه حتى يتحول إلى دم وعنف موجع.

بل إن هذه الأمراض غير المعالَجة هي التي جعلتنا لا نبارح ضعفنا، ونصبح فريسة سهلة لأعداء الوجود العربي والإسلامي ومنها يتسلل أصحاب خطة: فرِّق تَسُدْ.

في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي انشغلت بلداننا بالتعليم، وكل بلد وضع مسيرة تنمية تناسب خصوصياته وإيقاعه واستعداداته. ويمكن القول إنه تم قطع خطوات لا بأس بها حتى ولو كان هناك تفاوت بين البلدان العربية والإسلامية في التنوير والتحديث.

ولم تكن مسألة الأعراق والأديان من المسائل التي يُخاض فيها، ولم تمثّل مشكلة في مجتمعاتنا حتى تاريخ اندلاع حرب الخليج وغزو العراق، حيث بدأت تدب الفتنة من خلال إشعال مرة الفتيل العِرقي ومرة الفتيل الديني. وفي الحقيقة فإن مشكلة الأقليات العرقية ما فتئت تمثل الفتيل الأكثر ضماناً لتأجيج الفتنة داخل المجتمعات، وجعل الصراع يدب والعنف يستحكم في العلاقات الاجتماعية على نحو يعيدنا ألف سنة إلى الوراء.

وكلما كانت المنطقة أكثر عرضة للصراعات جرى توظيف ورقة الأقليات العرقية، وهو ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط ويعاد إنتاج الخطة ذاتها بحثاً عن الانقسام والانشغال بصراعات دموية قاتلة الجميع فيها خاسر.

السؤال: إذا كان هناك من يشعل الفتنة ويستخدم ورقة الأقليات العرقية، وهذا صحيح جداً، فهل المشكلة -بلفت النظر عن توظيفها- مصطنَعة أم هي كانت كامنة تحت الرماد؟

نعم من المهم طرح هذا السؤال حتى لا ننشغل بمن يستخدم ورقة الأقليات العرقية لإغراق مجتمعاتنا في الفتنة، وننسى المشكل في حد ذاته ومدى وجوده.

بالمنطق فإنه لا يمكن توظيف شيء غير موجود. إذن المشكلة قائمة بذاتها، سواء كانت تحت الرماد أو فوقه جمراً يشتعل.

السؤال الثاني: ما دامت هذه المشكلة موجودة في جينات الأجساد الاجتماعية فكيف نفسر عدم استشعارها والانتباه إليها؟

نعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال الثاني تحديداً هي سياسية لحماً ودماً. فالأقليات تميل إلى الانزواء والانغلاق خوفاً من الذوبان، وهدفها الأوحد التعايش مع العرق المهيمن، أكان عدداً أم سلطة، من دون مشكلات تُذكر. ذلك أن الأقلية تستبطن الشعور بأنها الأضعف بوصفها أقلية، خصوصاً عندما تكون خارج السلطة، وإذا كانت داخلها فإن كل المعادلة تختلف وتصبح الأقلية هي المهيمنة. بمعنى آخر فإن الموقع السياسي للأقلية هو الحاسم في تحققها الاجتماعي والسياسي أو الركون إلى تحت الرماد.

التجارب التي عرفناها في بلداننا سواء التي كانت فيها الأقليات العرقية مهمشة، اجتماعياً وسياسياً، أو الأخرى التي كانت مهيمنة سياسياً، فإنها ظلت مشحونة بمشكلتها التي لم تُحلّ بالشكل الذي يجب. ورأينا كيف أن الأقلية التي تهيمن سياسياً تظل رهينة استمرار وضعها سياسياً، ومتى تغير الوضع تفقد هيمنتها وتدفع ثمنها في صراعات انتقامية.

إذن؛ لا طوق نجاة في الهيمنة السياسية المتغيرة بطبيعتها، ولا في التهميش الذي يربّي الحقد الاجتماعي، ويجعل الأقلية تلك اليد التي تُستغل في الصراعات الدولية لإضعاف الداخل وخلق الانقسامات وفتح جبهة لتشتيت القوة والهدف.

السؤال الثالث والأخير: هل من مجال لقطع الطريق أمام مستخدمي ورقة الأقليات العرقية ثغرةً اجتماعيةً لزرع الفتنة؟

في الحقيقة هذا الجزء من مقالنا هو أكثر ما يعنينا، لأنه يطرح المقاربة التي تُنجي مجتمعاتنا من شر ورقة الأقليات العرقية.

أولاً، من المهم أن نثمّن التنوع العِرقي بوصفه مصدر ثراء ثقافي وحضاري. ثانياً، الحل الوحيد لكل انحرافات التنوع العرقي والديني هو تركيز المجتمعات والنخب السياسية الحاكمة على فكر المواطنة وقيم المواطنة. فكل شخص هو مواطن أولاً وأخيراً. ذلك أن المواطنة بما تعنيه من عدم تمييز على أساس الجنس أو الدين أو العرق إنما هي إعلاء للانتماء للوطن وتكريس لصفة المواطن وجعلها الرابط الاجتماعي الأوحد للتعايش، ومن ثم فإن المساواة في الحظوظ والفرص تكون مضمونة لأن المواطنة هي المساواة، والأفضل هو الأكثر كفاءة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفتنة بورقة الأقليات الفتنة بورقة الأقليات



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt