المشكلة في أوقات الأزمات ليست أن الحكومات لا تفعل شيئاً؛ بل عندما تفعل شيئاً، قديماً ومكرراً، وتصرّ على أنه جديد.
في مؤتمر صحافي مفاجئ أثناء عطلة البرلمان هذا الأسبوع، خُصص لمعالجة ارتفاع تكلفة المعيشة، سعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى طمأنة الشعب بأن حكومته تملك خطة لمواجهة «العاصفة» المقبلة من حرب الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة.
لكن في لحظة صراحة لافتة، انكشفت نقطة ضعف الخطة. فحين طرح السؤال بأن الإجراءات المعلنة ليست جديدة، أجاب ببساطة: «نعم... هذا هو المقصود». إجابة أوضحت الكثير. فما أُعلن، من رفع الحد الأدنى للأجور إلى ادعاء خفض فواتير الطاقة، ليس سوى إعادة تغليف لإجراءات قائمة أصلاً. رفع الأجور كان مقرراً مسبقاً، أما ما يتعلق بالطاقة فليس خفضاً فعلياً؛ بل سقف لزيادة الأسعار تم تحديده قبل تفاقم الأزمة الحالية، في حين تعود برامج الدعم إلى مرحلة سابقة. بكلمات أخرى، الحكومة تواجه أزمة جديدة بأدوات قديمة وتقدّم الاستمرارية على أنها فعل. لكن المشكلة أعمق.
فأزمة تكلفة المعيشة، في جوهرها، نتيجة تفاعل عوامل عدة: السياسات المالية والضريبية الحكومية، وارتفاع أسعار الطاقة، وما يرافقه من نقص واضطراب في الإمدادات. وأسعار الغاز تحديداً تحدد فواتير الكهرباء والتدفئة، وتنعكس على أسعار الغذاء والنقل ومعظم السلع. ومع اضطرابات الحرب في الشرق الأوسط، يصبح الأثر فورياً ومضاعفاً.
في دول أوروبية أخرى، لجأت الحكومات إلى إجراءات مباشرة، وصلت في بعض الحالات إلى خفض مؤقت أو إلغاء جزئي للضرائب على الوقود وضريبة القيمة المضافة، بهدف تخفيف الصدمة عن المستهلكين والاقتصاد. أما في بريطانيا، فلا يزال هذا الخيار غائباً. وعندما طُرح السؤال، لم يأتِ رد.
بدلاً من ذلك، قدّم ستارمر الحل، كعادته، «سياسة خارجية: خفض التصعيد في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز». وهي مقاربة صحيحة جزئياً، لكنها تنقل مركز الحل إلى خارج السيطرة الوطنية. ومن هنا جاء النشاط المكثف: اجتماعات مع شركات الطاقة والتأمين والشحن، واجتماعات طارئة للحكومة، وتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة. وعُقد اجتماع افتراضي جمع ممثلين عن 40 دولة، من بينها دول أوروبية وخليجية، لتقييم «كل الخيارات الدبلوماسية والسياسية» لاستعادة حرية الملاحة، يعقبه بحث عسكري لكيفية تأمين المضي بعد انتهاء القتال. لكن اللافت كان غياب الولايات المتحدة عن هذا الاجتماع. أي أن الخطة تعتمد على ظروف لا تتحكم بها الحكومة، فيما الأدوات المتاحة داخلياً تبقى معلّقة.
وفي سياق موازٍ، برز تحول سياسي لافت؛ ففي حديثه عن المستقبل، شدد ستارمر على ضرورة تقارب أكبر مع أوروبا، مشيراً إلى أن «بريكست» ألحق ضرراً عميقاً بالاقتصاد، وأن فرص التعاون «أكبر من أن تُتجاهل». ليس تراجعاً معلناً... لكنه مسار يصعب إخفاؤه.
في المقابل، يبقى التناقض في سياسة الطاقة قائماً؛ فبريطانيا ستظل تعتمد على الغاز لسنوات. لكنها، في الوقت نفسه، تقيد الإنتاج المحلي وتزيد اعتمادها على الواردات؛ غالباً بتكلفة أعلى مالياً وبيئياً.
سياسة تدير الصورة... لا النتيجة. وهنا تفرض الذاكرة نفسها؛ إذ أدت حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، إلى صدمة طاقة لم تستطِع بريطانيا التحكم بها. لم تقتصر النتائج على ارتفاع الأسعار؛ بل وصلت إلى تقنين الاستهلاك وأسبوع العمل لثلاثة أيام.
سياسياً، دفع المحافظون، بزعامة إدوارد هيث الثمن، وخسروا الانتخابات التي دعوا إليها. لكن الدرس الأهم جاء لاحقاً.
فبعد تلك الصدمة، سارعت بريطانيا إلى تطوير إنتاج الغاز من بحر الشمال. ورغم أن أول الإمدادات وصلت إلى محطة باكتون عام 1968، فإن الأزمة سرّعت التحول، فاستُكمل تحويل البلاد إلى الغاز الطبيعي بحلول عام 1977، ما عزز أمن الطاقة وقلل الاعتماد على الخارج. كان درساً قاسياً... لكنه واضح.
بعد نصف قرن، يبدو الاتجاه معكوساً. واجهت حكومة عمالية سابقة الأزمة بتوسيع الإنتاج المحلي. أما اليوم، فتتجه القيادة العمالية إلى تقليصه، مع زيادة الاعتماد على الواردات، بسبب آيديولوجية هوس البيئة.
التاريخ لا يكرر نفسه تماماً؛ لكنه أحياناً يراقب كيف تُنسى دروسه. وفي لحظة رمزية لافتة هذا الأسبوع، لم يأتِ الفعل الأكثر حسماً من وزير أو مسؤول؛ بل من «لاري»، القط المقيم في داونينغ ستريت الذي تجاوز في خدمته خمسة رؤساء وزراء قبل ستارمر، حيث ظهر وهو يتسلل عبر سياج وزارة الخارجية، ليعود بعد لحظات حاملاً فأراً، وينهي الأمر بسرعة أمام مقر رئاسة الحكومة. فعل مباشر... بنتيجة واضحة، مقارنةً بسكان المقر وهم يتنقلون بين الاجتماعات والبيانات والقمم، بينما تبقى المشكلة المعنية حيةً ترزق.