توقيت القاهرة المحلي 07:53:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

توقيع «فاروق حسني».. على جدارية التاريخ

  مصر اليوم -

توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ

بقلم: فاطمة ناعوت

أحلامُ الكبار لا تموت. بل تكافحُ لتغادرَ أرضَها؛ وتصيرُ واقعًا يَسُرُّ الناظرين. وها هو حلمُ الفنان «فاروق حسني» ينهض من قلب الرمال، ثم يشرقُ على جبين مصر شمسًا تتوّج أعظمَ متحف لحضارتها على وجه الأرض. «المتحف الكبير» كان لوحةً مؤجَّلة رسمها الوزيرُ الفنان فى قلبه وفى مرسمه؛ لأنه يدرك أن الفنّ هو الجسرُ الذى تعبر عليه الأمم والحضارات من الذاكرة إلى المستقبل، وأن الجمالَ جزءٌ أصيلٌ من الأمن القومى. بعد غدٍ يوقِّعُ الفنانُ الحالمُ على لوحة رسمها، وجعل من مصر إطارًا لها.

كثيرٌ من الأحلام تظلُّ حبيسةَ أرض الأحلام قيد الخيال. وبعضها تتجسّد لتصير حجارةً وعمارةً ومجدًا جديدًا. Grand Egyptian Museum كان فكرةً راودت وزيرًا يتيه فخرًا بحضارة بلاده، وصار اليوم صرحًا مهيبًا يجمعُ تراثنا الماجد صنعةَ أيادى أجدادنا العظماء.

منذ تسلّم حقيبة الثقافة فى ثمانينيات القرن الماضى، لم ينظر إلى وزارته كمنصب إدارى أو كرسيّ سلطة، بل كمشروع ثقافى وفنى كبير. رجلٌ جاء من محراب اللون، كان من الطبيعى أن يقود الوزارة بروح رسامٍ يخط أحلامه على جدار الزمن. وحين حَلُم بمتحف يليق بتاريخ مصر، لم يكتفِ بالترميمات ولا بتوسيع المخازن. بل رامَ وثبةً حضارية تليق بمصرَ، وتكمل مسيرة التاريخ من حيث توقّف الأجداد.

هكذا وُلدت فكرةُ المتحف الكبير. أطلق الفنان «فاروق حسني» مسابقة عالمية للتصميم، جاب العواصمَ، قدّم فكرته للمؤسسات الثقافية، طرق أبواب التمويل، وأصرّ أن يرى المشروعُ النورَ مهما طال الزمن. يومها، لم يكن أحد يتخيّل أن مصر ستضع على عتبات الأهرامات أعظم متحف مصرى فى العالم. لكن الفنان الذى خبر قيمة الحلم ظلّ يقاوم، يشرح، يخطط، ويقنع. لم يكن مشروعًا هندسيًا فحسب، بل مشروع هوية وطنية.

اليومَ ونحن نتجوّل بين القاعات التى تحتضن كنوزَ الفراعنة، ندرك أن «فاروق حسني» لم يكن وزيرًا برتبة فنان وفقط، بل كان حامل شعلة تنوير. فهو الذى غرس البذرة التى أثمرت هذا الصرح المهيب. ولذا يصبح الحديث عن المتحف الكبير دون ذكر اسمه، ضربًا من جحود الذاكرة. ومصر، كما نعرفها، تزهو بمن يكرّس أمجادها. ولذا قال الله تعالى: «ولا تبخسوا الناسَ أشياءهم».

كم هو مشرقٌ أن نرى الفنان »فاروق حسنى« حاضرًا يوم الافتتاح إلى جوار الرئيس المثقف «عبد الفتاح السيسى»، بين قادة العالم وضيوف مصر، ليقصّا شريط المجد ويشهدا اكتمال الحلم الذى ما عاد حلمًا؛ لكى نخطَّ رسالة إنسانية وأخلاقية تقول للأجيال: إن الأحلام الكبرى تحتاج إلى رجال يحرسونها؛ حتى تغادر خانة الحلم وتسجّل حضورها فى خانة الواقع.

المتحف المصرى الكبير ليس صرحًا عملاقًا نباهى به الزمان، بل هو تعويذة حضارية، تعيد صياغة علاقة مصر بتاريخها، وتفتح أبواب المستقبل للسياحة والثقافة والاقتصاد. المتحف رؤية معمارية تُحاور المكان لا تنافسه: الهرم فى الخلفية، المتحف فى الامتداد؛ وكأن الزمن يسير أفقيًا فى خط واحد من ماضى مصر إلى مستقبلها. وأما المحتوى، فليس «تجميعًا» لآثار مصر، بل «هندسة معنى»: الفرعون جوار مُعتقده، القطعة جوار سياقها، والنص جوار روحه. وهكذا يُولد المتحف ككتاب مفتوح، لا كصندوق مغلق.

فى مثل هذا الصرح العظيم، يصبح الفنُّ معرفة، والمعرفةُ هوية، والهويةُ مشروعًا للمستقبل. وهذا بالضبط ما آمن به الفنان «فاروق حسني» حين حَلُمَ، وما أكدته الدولة المصرية حين أنجزت. لقد تلاقى القلبُ الذى حلم، مع القلم التى خطّط، مع العقل الذى قرر، مع الأيادى التى نفذت؛ فكانت النتيجة صرحًا يليق ببلدٍ كتبت السطرَ الأول فى كتاب الحضارة، فإذا ذُكر التاريخ ذُكرت معه.

واليوم، بعد سنوات طوال من التخطيط والبناء والعمل الدؤوب، يأتى الافتتاح الرسمى ليؤكد أن الدولة المصرية تمتلك الآن إرادة ثقافية موازية لإرادتها السياسية والعمرانية والإنسانية. فالمتحف الكبير ليس حدثًا سياحيًا فحسب، بل إعلانُ موقع جديد لمصر على خارطة الوعى الإنسانى، يتواكبُ مع اعتلاء البروفيسور المصرى «خالد العناني» صرح منظمة اليونسكو. فكما بنت مصر الأهراماتَ لتخاطب المطلق فى عمق الزمان، ها هى اليومَ تبنى متحفها الكبير لتخاطب عقل العالم الجمعى بروح حديثة عميقة الجذور.

حين زرتُ رأس «نفرتيتي» فى «متحف برلين» لأول مرّة، هالنى أن قاعةً ضخمة خُصِّصت بكامله أمتارها وحرّاسها وأبوابها ومتاريسها لرأس ملكة مصرية، اختلسها الألمانُ منّا فى لحظة غفلة. وكم كنتُ أرجو أن نستعيرها، ولو لبعض يومٍ، فى لحظة افتتاح متحفنا الكبير!

المتحف الكبير ردٌّ حضارى هادئ على فوضى العالم الراهن. فحين يتقاتل البشرُ على الخراب، تبنى مصرُ المعنى. المتحف الكبير كتابٌ سيغيّر علاقة الأجيال القادمة بحضارتها. كتابٌ تقول فيه مصر للعالم: «هنا وُلد الجمال، وهنا يتجدد».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
  مصر اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt