توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الجونة»... وطنُ الجمال والفن

  مصر اليوم -

«الجونة» وطنُ الجمال والفن

بقلم: فاطمة ناعوت

حين فكَّر المهندس «سميح ساويرس» فى إنشاء مدينةٍ فى الصحراء، لم يشيّد منتجعًا سياحيًّا أنيقًا يُطلُّ على البحر الأحمر، بل رسم لوحة جمالية وحُجَّة أخلاقية وفلسفةً عمرانية وثقافية متكاملة: فأثمرت مدينةً مدهشة على شاطئ الوطن الشرقى تُدار بالفكر لا بالصدفة. مدينة تشبه «المدينة الفاضلة»، حيث تحوّل احترامُ القانون مع الوقت إلى ثقافة وأسلوب حياة فطرى وتلقائى وطبيعى. الضميرُ والأخلاق والتحضر والنظافة والذوق والهدوء هو «الكود» التى يحكم هذى المدينة. ليلُها لا يعرفُ الخوف، صباحها لا يعرف الضجيجٍ، شوارعها لا تعرف الفوضى ولا كسر قواعد المرور، وأرصفتها لا تعرف معنى إلقاء ورقة فى الطريق. الأهل آمنون على بناتهم لأن هذه المدينة نزعت من معجمها كلمة: «تحرش».

«الجونة» التى شيّدها حالمٌ جسور قبل ٣٥ عامًا، ليست حيّزًا عمرانيًّا وجغرافيًّا مدهشًا، بل «فلسفة» حيّة تقول إن الجمال ليس ترفًا، والنظام ليس قيدًا، والشعوب التى تهندس عمرانها بوسعها هندسة أخلاقها، لكى يتشكّل هذا «الكود» الساحر الذى يميز «الجونة» ونرجوه فى سائر بقاع الوطن. السلوك الرفيع ثقافة، واحترام القانون عادة، والتهذب هو اللغة الرسمية التى يفهمها الجميع دون ترجمة.

فى كلمته فى افتتاح الدورة الثامنة من «مهرجان الجونة السينمائى الدولى، قال المهندس «سميح ساويرس»: «لو كان أحدُهم أخبرنى قبل ٣٥ عامًا أن الجونة ستصير على ما هى عليه الآن، لكنتُ هربتُ ولم أبدأ أبدًا. لأننى كنتُ سأوقن بأنه المستحيل، والمستحيل لا يتحقق». ولكنه بالفعل قد حقق المستحيل، لأنه ببساطة آمن به. يقول «بولو كويلو» فى رواية «الخيميائى»: «إذا حَلُم الإنسانُ حُلمًا وآمن به، تآمر الكونُ من أجل تحقيقه». وتحقق الحلم الذى غُرِس فى رمال البحر الأحمر، فأنبت مدينة من الجمال والعمران والوعى، وتحوّلت المساحة الخالية إلى دُرّةٍ على جبين المقاصد السياحية، وصار المهرجان الفنى الذى يحمل اسمها وسامًا ترنو إليه السينما العربية والعالمية، لا لفخامته وضخامته وعالميته وحسب، بل كذلك لأنه رفع شعارًا يليق بالجمال: «سينما من أجل الإنسانية»، فصار مخرجو العالم وفنانوه ومنتجوه يبحثون فى قلوبهم عن ومضات الإنسانية لكى ينتجوا أفلامًا تسافر إلى مصر وتحظى بشرف المشاركة فى مهرجان الجونة السينمائى الدولى.

«الدورة الثامنة من المهرجان تزامنت مع الفرح بوقف الحرب على فلسطين، على عكس العام الماضى حيث كان الحزنُ على أشقائنا فى غزّة يخيّم على الوجوه»، هكذا بدأ المهندس «نجيب ساويرس» كلمتَه فى حفل الافتتاح الذى كان مشرقًا بالفن الرفيع والجمال والأناقة كعادة جميع الدورات السابقة لمهرجان وُلد بدرًا، ولم يمرّ بعُسر البدايات، عكس جميع مهرجانات العالم الفنية؛ لأنه يُدار برؤية علمية جادة، وبعشق حقيقى للوطن، وشغف برفع رايته فى أرجاء الأرض. ومنذ عامه الأول، نجح فى وضع اسمه على خريطة المهرجانات الكبرى، فاستضاف أفلامًا حصدت جوائز فى «برلين» و«صن- دانس» و«لوكارنو»، لكن يظل لجائزة مهرجان الجونة مذاق مختلف، أشهى وأجمل، يحمل دفء الشرق، وروح المصريين الحلوة، ولمسة من شغف التقاء الصحراء بالبحر.

ما يميّز مهرجان الجونة أنّه لا يقلّد أحدًا. فلا هو نسخة من «كان» ولا هو ظلّ لـ«فينيسيا». هو مهرجان مصرىّ المذاق، عالمىّ الأداء، يمتلك شخصيّته المستقلة وهويّته البصرية المبهرة. لهذا يحلم جميع فنانى العالم بالخَطو على سجادته الحمراء.

فى كل دورة من مهرجان الجونة السينمائى، تتكرّس مصرُ مركزًا للفنّون الرفيعة، ونقطةَ التقاء بين الشرق والغرب. وفى هذى الدورة، التى بدأت يوم ١٦ أكتوبر وتستمر حتى يوم ٢٤ منه، يشارك سبعون فيلمًا من القارات الخمس، إلى جوار الندوات والحوارات وورش العمل وغيرها من الفعاليات الجميلة التى لا تتوقف على مدى أسبوع المهرجان.

احتفلت هذه الدورة بخمسين عامًا من السينما للنجمة الجميلة «يسرا» بتدشين معرض لصور نادرة من أفلامها، واحتفلت بالمخرج العبقرى «يوسف شاهين» بإنشاء ماكيت قطار حقيقى بالحجم الطبيعى استلهمها من فيلم «باب الحديد»، داخله تُعرض أفلام هذا المخرج الفز.

مهرجان الجونة مشغولٌ بالأفلام الإنسانية التى تنتصر للفقراء والكادحين والمرأة المعيلة وأطفال الشوارع؛ لأن المثقف الحقيقى يدرك أن الدراما بوسعها أن تغيّر العقلَ الجمعى وتعيد تشكيل المجتمعات، بل تعيد صياغة القانون ليغدو أكثر رأفة ورحمة بذوى العوز، مثلما فعلت رواية «البؤساء فى فرنسا»، وفيلم «جعلونى مجرمًا» من إخراج «عاطف سالم»، ومثلما لخص فيلم «البداية» للعظيم «صلاح أبوسيف» فكرة الرأسمالية المتوحشة، ومثلما لخص فيلم «الزوجة الثانية» فكرة القهر وخداع البسطاء، إلى آخر قائمة الدراما العظيمة التى أثرت فى الشعوب وغيرت فى جوهرها الفكرى والحضارى.

كل عام و«الجونة» مشرقة، ومهرجانها السينمائى تاج على جبين وطن الجمال والفن.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الجونة» وطنُ الجمال والفن «الجونة» وطنُ الجمال والفن



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt