توقيت القاهرة المحلي 12:47:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الجميلة «حور محمد».. وجهُ الشمس

  مصر اليوم -

الجميلة «حور محمد» وجهُ الشمس

بقلم: فاطمة ناعوت

حين تُكسَر طفلةٌ جميلة فى بلدٍ علّم العالمَ معنى الجمال، فالجرحُ لا يكون فى قلبها، بل فى قلب الوطن. وحين تقفُ صبيّةٌ مليحة على حافة شرفة فصلها، محاولةً الهربَ من قسوة زميلاتها، لا تكون هى على وشك السقوط، بل قيمُ مجتمع راسخ علّم الدنيا القيمَ والأخلاق، ثم فقد بَوصَلَتَه لحظةً، فاهتزّت عليه الأرض.

«حور محمد»، صبية سمراءُ مشرقة، تشبه النيلَ وقتَ السَّحر، وتلويحةَ شمس الغسق حين تسقطُ على وجه نفرتارى. وجه مصرىٌّ من تلك التى تُعرَف بلادُها قبل أن تنطق، لأنها تحمل جين مصر. هذا الوجه الجميل وجد نفسه محاصرًا بقبحٍ لا يشبه مصر: تنمّرٌ، رفض، كسرٌ للنظارة، اعتداءات من زميلات الفصل.. فضاقت الدنيا على طفلة تتهيأ للحياة، وبحثت عن نافذة تطير منها إلى رحابة عالم أجمل يليق بطفولتها.

الضحيةُ طفلةٌ، والجُناةُ أطفالٌ. وليس فى لوائح المدارس قانونٌ يعاقب الأطفال إن أجرموا، لكن فى قانون التربية ما كان يردّهم عن جرائمهم، فقط لو انتبهت المدرسةُ والأسرةُ ومنظومةُ التعليم والإعلام والمسجد والكنيسة لواجباتهم، وتضافرت جهودُهم لإنشاء جيلٍ راق مهذّب يتقنُ فنَّ «احترام الآخر»، ذلك الفن الذى تُعلّمه اليابانُ لأطفالها قبل أن يتعلّموا الكلام واللعب. التنمّر ليس «هزار عيال»، بل خطيئةٌ تُرتكب فى العلن، وتكسر قلوبَ الأطفال فى السرّ. لو عرف الناس، وأظنهم يعرفون، حجمَ التخريب الذى يتركه فى الروح، لوضعوه على رأس الخطايا الكبرى، كما تفعلُ الدولُ المتحضرة، ولا يمرُّ باعتذار وابتسامة بل وإنكار.

«حور» الجميلة ليست أول طفلة تتعرّض للإيذاء، وليست آخرهن بكل أسف؛ ما لم نُغيّر أسلوب استيعابنا لهذه الكارثة الاجتماعية. القضية تمسُّ آلاف الأطفال الذين يعودون إلى بيوتهم كل يوم بندوب فى القلب وقد خسروا جزءًا من ثقتهم بأنفسهم، لأن زميلًا ضحك، ومعلمة تجاهلت، ومديرًا لم يُدرك حجم مسؤوليته وخطورة دوره فى تنشئة مستقبل الوطن.

أطفالُنا ليسوا صفحاتٍ بيضاءَ؛ بل هم مرايا لنا، يعكسون سلوكنا إن كان راقيًا أم مشينًا، ويحاكون خطابنا وأسلوب حديثنا عن الناس ومعهم. وحين يذهب طفلٌ إلى المدرسة حاملاً سُمّ التمييز أو العنصرية أو السخرية.. فالمصدرُ يكون البيت، لا الشارع. ربّوا أبناءكم على الحبّ والاحترام، من أجلهم هم، قبل أن يكون من أجل أولاد الناس. علّموهم أن الجمال يكسو وجوه جميع البشر دون استثناء؛ لأن الخالقَ جميلٌ لا يصنع إلا الجميلَ. علموهم أن السُّمرة المصرية خريطةُ تاريخ كامل من المجد والعلوم والفنون. لونٌ صقلته الشمسُ فوق حجارة المعابد، واختارته أرضُنا السمراءُ «كيميت» لأن يُشبه شخصية هذا البلد البهىّ.

المدرسةُ يجب أن تكون كما كانت بالنسبة لجيلى: مكانًا آمنًا وجميلا نركضُ إليه فرحًا كل صباح لأننا نقضى فيه أوقات علم وفرح وحبٍّ، لا مكانًا يُهرب منه طيرانًا من النوافذ! ضعوا فى الجدول «حصة الأخلاق» التى كانت مقررة علينا فى مدارس الراهبات. ولا يجوز تجاهل ألم طفل، مهما بدا فى عيوننا هيّنًا وبسيطًا، لأن مسطرة الأطفال أصدق وأصفى من مساطرنا العقيمة التى نقيس بها الأشياء وفق أهوائنا. مسؤولية المدارس ليست تعليم القراءة والكتابة؛ بل غرس القيم والأخلاق والتهذّب. تحتاج مدارسُنا إلى برامج تثقيفية واضحة لمواجهة التنمّر وتكريس النبل والتحضر فى نفوس الصغار، وبرامج تدريب للمعلمين على التعامل النفسى السوى مع الطلاب، وإدارة مدرسية ترى الأطفال بوصفهم مشاعرَ تكسوها أجسادٌ، لا أرقامًا فى كشوف الحضور.

وعلى الإعلام مسؤولية ضخمة لا يؤديها. يملك الضوءَ لكنه يترك أطفالنا فى العتمة. ليته يفرد مساحات توعوية تكافح التنمّر وتغرس القيم، وحملات تثقيفية دراما لا تُطبّع السخريةَ باعتبارها ضحكًا وظُرفًا، بل خطايا تهزُّ أركان السماء وتهدّم المجتمع.

وفى وسط هذا المشهد المؤلم، أشرقت لفتة إنسانية نبيلة من الجليل المستشار النائب العام: «حمادة الصاوى»، حين تواصل مع والد «حور» للاطمئنان عليها، وتلك رسالة تقول إن الدولة ترى أبناءها، وتنتصر لهم، وتحمى طفولتهم. أشكره وأدعوه لاستمرار متابعة مثل هذى القضايا التى تمسّ أرواح الصغار، لأن مستقبل الوطن يبدأ من سلامة طفولته.

وأما الجميلة «حور محمد»، فأقول لها ما كتبتُه على صفحتى بالأمس: يا حبيبتى أنت قمر ١٤ وجمالك صافٍ ومصرىُّ خالصٌ لا غشَّ فيه. اسمك جميلٌ ومثقف مشتقٌّ من خيوط الجنّة. كم أحبّك وكم كنتُ أتمنى أن أحظى بطفلة تشبهك، تكون شقيقة لابنى الأسمر الوسيم «عمر»، الموهوب فى الرسم مثلك. وأنا مثلك، أضع على عينى نظارةً أحبّها؛ لأنها تجعلنى أرى الناس فى «فاترينة زجاجية». اعلمى يا صغيرتى أن اللواتى تنمّرن عليك يعرفن كم أنت جميلة وموهوبة؛ لكن خانهن التعبير عن حبهن لك. عيشى يا «حور» واكبرى وصيرى مشعلا ينير دروب الوطن.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجميلة «حور محمد» وجهُ الشمس الجميلة «حور محمد» وجهُ الشمس



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt