توقيت القاهرة المحلي 07:53:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اليوم العالمى للقانون... العدلُ ماءُ الحياة

  مصر اليوم -

اليوم العالمى للقانون العدلُ ماءُ الحياة

بقلم: فاطمة ناعوت

العدل. ما سبق ليس «كلمة»، بل جملةٌ مفيدة مكتملة الأركان؛ لأنها تُلخص فلسفة الحياة. فى أسمائه الحسنى، تفرّد الله باسم «العدل»، لا «العادل» ولا «العدول»، على نسق بقية الأسماء التى جاءت على وزن: فاعل- فعول- فعيل- فعّال- مِفعال. فقط «العدل»، «السلام»، «الحق» وردت على صورة «الجوهر» لا «الصفة»؛ لكى تبثُّ لنا رسالة بأن تلك الأسماء بالذات كياناتٌ ربوبية عُليا ومطلقة، لا مجرد صفاتٍ نسبية. وكأنما أراد اللهُ أن يعلّمنا أنّ «العدل» ليس فعلًا يُمارَس، بل جوهرٌ يُستَمدّ منه كل فعل، ومِظلّة إلهية أسدلها الُله على الكون كى يحيا فى محبة وسلام. ولهذا قال تعالى فى الحديث القدسى: «يا عبادى، إنى حرّمتُ الظلمَ على نفسى وجعلتُه بينكم مُحرّمًا، فلا تظالموا». وهذا شىء مدهش ومخيف، أن يُحرِّم الخالقُ أمرًا على نفسه قبل أن يحرّمه على عباده، ليعلّمهم هولَ الظلم وحتمية العدل، باعتباره ميثاقًا سماويًا حاسمًا، لا مفاوضة فيه. لهذا اجتهد البشرُ فى صكِّ «القانون»، الذى يحمى «العدل» ويُزيح شبحَ «الظلم» الأسود من مشهد البشرية. كان هذا ملخص كلمتى التى ألقيتُها بالأمس فى الاحتفال بـ«اليوم العالمى للقانون» الذى أقامته «المؤسسة العربية للسلام والتنمية»، بالشراكة مع «المحكمة العربية للتحكيم ومجلس الوحدة الاقتصادية».

لهذا أتقدّم بجزيل الاحترام لمعالى المستشار «كمال خليفة عبد الرحمن»، رئيس مجلس أمناء «المؤسسة العربية للسلام والتنمية» الذى جعل من يوم ١٣ سبتمبر طقسًا سنويًا بهيجًا يجمعنا فيه على شرف رجالات القانون والعدالة من مصر ومختلف دول الوطن العربى، لنتذكر فيه أن «العدل» هو مظلة الرحمة التى تحقق السلام للبشر، وأن «القانون» هو الصخرة التى تحمى كرامة الإنسان وتعلو به إلى المكانة الراقية التى رسمها الله له.

وحين ننطق كلمةَ «القانون» لابد أن تُذكر «مصرَ»؛ لأنها اليدُ الأولى التى كتبت «الضمير» فى دستور التاريخ، وصكّت أبجديات القانون فى غبش الحضارات. ويظلُّ «قانونُ ماعت» أعرقَ وأرقى ما ابتكر الإنسانُ من قيم أخلاقية؛ لا تنظّمُ أسسَ العَيش الكريم بين الناس وحسب، بل تُهذِّب الإنسانَ وتجعل منه كائنًا راقيًا مُستحقًا للحياة. تصوّروا قانونًا يُجرِّمُ التسبّب فى دموع إنسان! تصوّروا قانونًا يُجرّمُ تعذيبَ الحيوان، بل يُجرّم تعذيب النبات بحرمانه من الماء؟! وحده القانونُ المصرى الذى استهلَّ موادَّه بالقيم العليا للأخلاق: «لا تقتل، لا تكذب، لا تسرق، لا تظلم....»، ثم جاءت مستوياتُ التهذيب الأرقى فى العطاء: »كنتُ عينًا للأعمى، كنتُ ساقًا للكسيح، كنتُ يدًا للمشلول، كنتُ أبًا لليتيم...« بل كان القانونُ المصرى القديم أولَ من حضَّ على النظافة: “لم ألوّثْ مياهَ النهر»، وغير ذلك من فرائد الأخلاق والتحضُّر وردت فى بنود قانون «ماعت» المصرى التى بلغ عددُها ٨٤ بندًا؛ نصفُها اعترافاتٌ ثبوتية: »كنتُ - فعلتُ«، ونصفُها الآخر ٤٢ اعترافًا إنكاريًّا: «لم أكن، لم أفعل».

كانت الكلمات التى أُلقيت فى حفل أمس الأول بمثابة مرايا نُطلّ منها على أنفسنا. تحدث البعض عن تحديات الإرهاب، وعن الدم المسفوك فى غزة وفى بقاع أخرى، وكيف يجب أن يتحول الألم إلى قضية أمام محكمة التاريخ. وأتذكّر هنا كلمة المستشار «أحمد الزند» العام الماضى فى نفس هذا اليوم إذ قال إن الكيان الصهيونى هو «هولاكو العصر» الذى يقتل المدنيين ويتفنن فى ترويع الأطفال والنساء بشهيّة جائعة للدماء، وبدعم كامل من أمريكا التى تمدهم بالماء والسلاح والتكنولوجيا، ولا أحد يحاسبهم!

نحتفل كل عام بعيد القانون، لا كتقليدٍ دولى فحسب، بل كعهدٍ وطنيّ يعيدنا إلى جذورنا ويعيدنا إلى روح الله «العدل» الذى حرّم الظلمَ على قُدسه، وعلينا نحن البشر لكى تتنفس ضمائرنا. فالعدل، ليس مادةً فى كتاب القانون، بل هواءٌ فى صدور البشر، وماءٌ فى حياتهم.

ولا يمكن أن أكتب مقالا عن «القانون» دون أن أتذكر جدى العظيم المستشار «محمود عاصم» مؤسس مجلة «دنيا القانون»، وصاحب كتاب «أشهر قضايا التاريخ... لأعلام القانون فى الشرق والغرب» الصادر عام ١٩٦٦، وكتاب «المرافعات فى أشهر القضايا الجنائية» وغيرهما من الكتب الخوالد. فى طفولتى، كنتُ أتأملُ روبَه الأسودَ المهيب، مُزيّنًا بأوسمة الشرف، مُعلّقًا على عمود الشماعة فى غرفة مكتبه فى حى باب اللوق، فتغمرُنى حالٌ من الشعور بالإجلال والمهابة، إذ أوقن أن رجال القانون مجبولون من طينة نقية. فهم حملةُ لواء «الحق»؛ واللهُ هو «الحق»، وهم سدنة باب «العدل»؛ واللهُ تعالى هو «العدل». رحم الله جدى الغالى، وبارك فى كل قاض عادل ينصرُ المظلومَ ويردُّ الظالمَ عن ظلمه. وتحية احترام للقانون فى عيده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اليوم العالمى للقانون العدلُ ماءُ الحياة اليوم العالمى للقانون العدلُ ماءُ الحياة



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
  مصر اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt