توقيت القاهرة المحلي 12:59:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رأسُ السنة الصينية.. فى دفء القاهرة

  مصر اليوم -

رأسُ السنة الصينية فى دفء القاهرة

بقلم: فاطمة ناعوت

تبهرنى الحضاراتُ القديمة الضاربة بجذورها فى عمق الزمان، وتوقظ فضولى للمعرفة والتأمل. لذا، صقلتُ مرايا حواسّى وشحذتُ نصالَ حدسى؛ لكى أعيشَ هذا اليوم، «رأس السنة الصينية»، بكامل وعيى، مستغرقةً فى تفاصيل الطقوس والفلسفات القادمة من أقاصى الشرق؛ «الصين»، تلك البلاد المدهشة التى صنعت إحدى أعرق الحضارات وأسهمت فى تشكيل ملامح الإنسانية. ولأننى أنتمى إلى واحدة من أقدم حضارات التاريخ، فإن شغفى بالعراقة تشكّل مبكّرًا جدًّا؛ منذ بدأت رحلتى فى القراءة وتحصيل المعارف.

صديقى المصرى «هانى»، وزوجته الصينية الجميلة «آليس»، وأبناؤهما الذين تشكّلت ملامحهم ومعارفهم من امتزاج تلكما الحضارتين العريقتين، كانت دعوتهم لى بمثابة قراءة «كتاب جديد»، طُبعت منه نسخةٌ واحدة من أجلى. كتابٌ كُتبت سطورُه بخلطة حبرٍ مدهشة من مياه «النيل» ونهر «هوانغ هو». إنها الحضاراتُ النهرية التى نشأت على ضفاف الأنهار، ما سمح لأبنائها بالاستقرار والتشييد والعمران، ومن ثَمَّ ابتكار العلوم والفنون والمعارف وبقية مفردات الحضارة. فحين يرفعُ التاريخُ طبشوره ليكتب عن الحضارات العريقة التى شكّلت وجه الإنسانية، تتصدّر اللوحةَ مصرُ والصيُن؛ بوصفهما أقدمَ حضارتين وأطولها استمراريةً ورسوخًا. كلاهما لم يكن مجرد بلد، بل مهدًا للفكر والفنون والسياسة والعلوم والفلسفة والعمارة، ما جعلهما قوتين ثقافيتين هائلتين، شكلتا وجدان العالم، قديمه وحديثه.

رأس السنة الصينية يقع فى يوم بين نهايات يناير وبدايات فبراير وفقًا لدورة القمر، فى النظام القمرى. وهذا العام ٢٠٢٥، كان الاحتفال بالعام الصينى الجديد يوم ٢٩ يناير، وهو عام «الأفعى الخشبية»، الذى يرمز للحكمة والأناقة ودِقّة الحدس. والاحتفال به يُعدُّ تجسيدًا عميقًا للهوية الثقافية والقيم العائلية والتقاليد المتوارثة فى الصين منذ فجر التاريخ

فى مزرعةٍ قصيّة، فى غرب القاهرة، احتضنتنا الأشجارُ بثيابها الخضر، والنخيلُ بشهوق جذوعها، والبحيراتُ بصفحاتها الزرقاء، لنقضى يومًا لا يُنسى، بدعوة كريمة من «آليس»، التى قدمّت لنا الهدايا والطعام بيد المحبة وقلب الترحاب. ولم تنسَ أن تقدم لصغيرى «عمر» ذلك المظروف الأحمر الأنيق، «هونغ باو»، وداخله عيدية العام الجديد الذى يُقدّم للصغار فى الصين مطويًّا على أمنيات الحظ والبركة، وكأنما منحته خيطًا من تقاليد وطنها العريق. ابتسم «عمر»، فأضاءت ابتسامتُه قلبى، مثلما تضىء الفوانيس الحمراء سماء بكين فى الليلة ذاتها. كانت «آليس»، ابنة الشرق الأقصى، توزّع ابتسامتها علينا مع صحون الطعام، فكانت سفيرة رائعة لتلك الطقوس الطيبة التى ورثتها عن قدامى أسلافها. واستكمالًا لطقس بداية العام، اجتمعنا حول مائدة مستديرة، كما يفعل الصينيون فى مناسباتهم. فالمائدة المستديرة وراءها فلسفة تقول: لا أحد فى المقدمة، لا أحد فى المؤخرة، الجميع متساوون، يشاركون ذات النكهة ويتشاركون اللحظة ذاتها. وتعرفنا يومها على الأكلة الشعبية فى الصين: «هُوُو غُوُو»، ومعناها «القِدْر الساخن»، وهى بدورها «فلسفة» وليست مجرد طعام، بل تجربة تفاعلية، حيث يغمس كلُّ فرد ما يشاءُ من الخضروات الطازجة وشرائح اللحم الرقيقة وفواكه البحر، فى المرق المغلىّ، وكأننا نمزجُ ذوائقنا المختلفة داخل القِدر الواحد، فتسرى نكهاتُ الطعوم وتتمازج مثلما يتمازج البشرُ ليصنعوا الحضارات الإنسانية. التقطتُ بعصوات الطعام الصينية قطعةً من الفِطر، ووضعتها فى طبق «عمر»، ثم أطعمته بيدى، تمامًا كما تفعل الأمهات الصينيات فى طقس يرمز للحب والرعاية. فالأم فى جميع ثقافات العالم تتشابه فى إطعام ابنها أولًا، كى تضمن له عامًا دافئًا مشبعًا بالحب والحنو.

وعندما حلّ المساءُ، انطلقت فى السماء الألعاب النارية، تتفجر بين الغيوم بالألوان والبريق، وكأنها ترسم أمنياتنا بحبر من ضوء. وتلك كذلك «فلسفةٌ» مُستقاة من روح الاحتفالات الصينية: حين كان الصينيون فى القرون الأولى يشعلون المفرقعاتِ لطردِ الأرواحِ الشريرةِ التى تُحوِّم حول المدينة، فيصفو وجهُ الطبيعة ويستقبلون العام الجديد بصفحةٍ بيضاء. وكما كان القدماءُ يؤمنون بأنَّ الدوىَّ القوىَّ لتلك المفرقعات يبثُّ الحياةَ فى السنةِ القادمة، كذلك شعرنا بخفق الفرح يدقُّ فى قلوبنا ونحنُ نرقبُ الألوانَ وهى تتفتحُ فوق رؤوسنا كزهورِ «الفاوانيا» فى شنغهاى، وزهرة «اللوتس» التى تتفتّح فى طِيبة.

الليلة، الاثنين ٣ فبراير، فى الثامنة مساءً، تحتفل مصرُ بأسبوع الفن الصينى فى دار الأوبرا المصرية، بالشراكة مع اتحاد الدوائر الأدبية والفنية الصينية، وسفارة جمهورية الصين الشعبية فى القاهرة، من خلال مؤتمر الترويج للسينما والتليفزيون والأعمال الإلكترونية الصينية، والعرض الأول للفيلم الوثائقى «صالون».

سعيدةٌ بالتعرف على هذه الأسرة المصرية/الصينية الجميلة، وسعيدة بأن أولى الجوائز الشعرية التى حصدتُها فى مشوارى الأدبى كانت من «هونج كونج»: أفضل ديوان شعرى عربى لعام ٢٠٠٦ عن مخطوطة ديوانى «قارورة صمغ» الذى تُرجم عامئذ إلى الصينية والإنجليزية، وصدر عن دار «ندوة بريس» بالصين. شكرًا للحضارة، وشكرًا للمحبة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رأسُ السنة الصينية فى دفء القاهرة رأسُ السنة الصينية فى دفء القاهرة



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt