توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أقلامُهنَّ.. في ميزان البحث الأكاديمي

  مصر اليوم -

أقلامُهنَّ في ميزان البحث الأكاديمي

بقلم: فاطمة ناعوت

حضرتُ مؤخرًا مناقشة رسالة دكتوراة فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة موضوعها: «العوامل المؤثرة فى خطاب كاتبات الرأى فى الصحف المصرية اليومية»، وما جذبنى فيها، ليس فقط أن جريدتى «المصرى اليوم» من بين الصحف الثلاث التى خضعت للدراسة إضافة إلى جريدة «الأهرام» و«الوفد»، ولا لأننى كنتُ من بين الكاتبات اللواتى تناولتهن الرسالة الأكاديمية، بل كذلك لأن الباحثة د. «منى عبدالرحيم»، المدرس المساعد بكلية الإعلام، قد أفردت على طاولة التشريح مباضع البحث وسلطت مصباحها الكشفى على أوراق الصحافة المصرية، لا لتحلّل خطاب كاتبات الرأى فحسب، بل لتوثّق شيئًا من معاركهن اليومية مع مجتمعٍ لايزال يرمق القلم الأنثوى بعين الريبة والدهشة.

وضعت الرسالة مجموعة مختارة من كاتبات الرأى تحت عدسة البحث العلمى لدراسة هموم المرأة الكاتبة التى تحرّك قلمها وسط طوفان الكتابة الذكورية، إن جاز أصلا تصنيف الكتابة بـ «نسوى» و«ذكورى». فأنا أؤمن بـ «وحدة العقل البشرى»، بعيدًا عن «الجندرية» التمييزية، وإن اختلفت الهموم والأولويات حسب تجربة كل إنسان وظرفه الثقافى والمجتمعى.

فى كلية الإعلام، جامعة القاهرة، كنا على موعد مع طرح جاد لقضية أظنها غابت عن كثير من الدوائر الأكاديمية: «كاتبات الرأى فى الصحافة المصرية، وملامح خطابهن المهنى والفكرى»، عبر رسالة عنوانها: «التكوين المهنى والأيديولوجى لكاتبات الرأى بالصحف المصرية، وعلاقته بخطابهن السياسى والاقتصادى والاجتماعى». الرسالة تمثل إضافة جادة إلى حقل الدراسات الإعلامية، وتعيد كتابة المرأة فى الصحافة إلى واجهة البحث العلمى، لا من زاوية النوع الاجتماعى، بل من باب التأثير الثقافى والإعلامى فى حقل «صاحبة الجلالة».

اعتمدت الباحثة منهجين متكاملين: تحليل الخطاب لعينة مقالات نُشرت عام ٢٠٢٣، إلى جانب مقابلات متعمقة مع ١٣ كاتبة رأى من الرعيل الأول والثانى، وهنّ، مع حفظ الألقاب: «أمينة النقاش»، «أمينة شفيق»، «فريدة الشوباشى»، «أمينة خيرى»، «فتحية الدخاخنى»، «ماجدة صالح»، «كريمة كمال»، «سناء السعيد»، «نادين عبد الله»، «نعمة عز الدين»، و«نيفين مسعد»، «آيات الحداد»، وكاتبة هذه السطور. وخَلُصَت الباحثة إلى أن كاتبات الرأى فى مصر لسن مجرد حبرٍ أنيق فوق الورق الأبيض، ولا هنّ زهراتٍ بريّةً تُزين خلفية المشهد، بل فى مداد أقلامهن نبضُ وطن وهموم إنسان، وآلام الأرض، ووجع نساء يكتبن ليُسمِعن من به صمم.

المنهجية صارمة، لكنها أرخت الحبل للموضوعية، فجاءت الأرقامُ شاهدة: نصفُ ما كتبته الكاتبات كان فى القضايا الاجتماعية، لأن قلوبهن معلقّةٌ بقضايا الناس. أما السياسة والاقتصاد، فتفاوت الاهتمام بهما حسب التوجه الأيديولوجى لكل كاتبة. ونالت «الكوتة النسائية» نصيبها من الجدل؛ بين من رآها تعويضًا مستحقًا، ومن اعتبرها ترفًا أو مجرد «فضفضة» مقنَّعة. وكشفت المقابلات الشخصية، تحولًا فى اهتمام الكاتبات، نحو ملف الاقتصاد والتعليم، وتنامى الوعى بقضايا النزاعات الدولية.

الموجع المرّ كان شهادات الكاتبات عن الرقابة الذاتية، والخوف من نظرات المجتمع، ومحاولة التوازن بين الشجاعة والمراوغة. فكل مقالٍ هو معركة مصغّرة فى ميدان الشرف. فالنساء إذا أمسكن القلم، لا يكتبن للترف بل للحق، لا للهوى بل للضمير.

من أجمل لحظات هذه الظهيرة العلمية الغنية، كان لقائى بأستاذتى الجميلة د. «سناء صليحة»، التى ناقشت الرسالة بموضوعية وحسم وأناقة. فمثل تلك اللحظات النادرة يسجلها الوجدان لا دفتر الحضور. هذه المبدعة والمترجمة والمثقفة الكبيرة، صاحبة الباع الطويل فى الصحافة الثقافية والتحليل المجتمعى والسياسى، وتربّت على يديها أجيال من الصحفيين والمبدعين. استمعتُ إليها بشغفٍ وهى تحلل خطاب الكاتبات بدقة الناقد، لا بعفوية المراقب. تعلمنا منها، خلال المناقشة، كيف يُبنى الحكم العلمى على المقالة الصحفية، وكيف يمكن للجملة أن تكون حيادية شكلاً ومنحازة مضمونًا. وأما أ. د. «نجوى كامل»، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وإحدى رائدات البحث الإعلامى، فكانت حازمة فى طرحها، دقيقة فى ملاحظاتها، وذكّرتنا بأن الخطاب الصحفى مسؤولية مخيفة لا يجب التعامل معها باستخفاف، فالقلمُ بوسعه أن يقتل على نحو أشدّ أثرًا من النصل.

أما أ. د. «محرز حسين غالى»، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والمشرف على الرسالة، وصاحب عديد الكتب فى الإعلام السياسى، فقد أعلنت الباحثة كم الرعاية التى أولاها الأستاذُ لرسالتها، خطوةً بخطوة، على مدى سنوات، ما بخل بعلمه ولا توجيهه، حتى أشرقت وخرجت للنور على هذا النحو من الثقل والصقل. وأدار النقاش بحكمة الأستاذ وتواضع العارف بقدر مُجاورتيْه على المنصّة، وحياد الراعى الذى أنبتَ زهرةً وحينما أشرقت، ترك الرأىَ فيها للناظرين.

وسط هذا الصخب الإعلامى، تظل مثل هذه الرسائل العلمية شموعًا صغيرة، تؤكد أن البحث العلمى قادرٌ على رصد نبض الحروف، وأن الصحافة ليست مهنة، بل حالة تماسّ اليومى مع الواقع، ومع الذات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أقلامُهنَّ في ميزان البحث الأكاديمي أقلامُهنَّ في ميزان البحث الأكاديمي



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt