توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وجهُ مصرَ في اليونسكو

  مصر اليوم -

وجهُ مصرَ في اليونسكو

بقلم: فاطمة ناعوت

(يوم الاثنين ٦ أكتوبر، حدث أمرٌ فى غاية الجمال. كنا فى «ورشة الزيتون الإبداعية»، نناقشُ رواية «زهرة النار» للأديب «محمد سلماوى». وأثناء المناقشة أُعلن فوز الدكتور «خالد العنانى»، بمقعد المدير العام لمنظمة «اليونسكو». وفجأة ضجّت القاعة بالتصفيق وتعالت صيحاتُ الفرح من الأدباء الحضور، وكأنه نصرٌ جديد فى يوم نصر أكتوبر. وجاءت مكالمة من باريس للأستاذ «سلماوى»، وفتح الإسبيكر لنسمع تصفيق القاعة الباريسية متزامنًا مع تصفيقنا القاهرى. وفتحت العزيزة «فاطمة ناعوت» بثًّا مباشرًا لتوثيق اللحظة. ألف مبروك لمصر).

الكلمات المشرقة السابقة للشاعر والمؤرخ «شعبان يوسف» مدير الورشة الأدبية، كتبها ليقبض على لحظة بهيّة تُدوّن فى دفتر ذكريات مصر الحلوة التى تُحفر فى الذاكرة عصيّةً على النسيان والخفوت.

وكأنّ القدرَ شاء أن يُهدى مصرَ فى ٦ أكتوبر رايَتيْ مجد؛ رايةَ النصر رفعها جنودُنا على ضفة القناة عام ١٩٧٣، وراية الثقافة التى اعتلت صرح اليونسكو بفوز البروفيسور «خالد العنانى»، كأول مصرى وعربى يعتلى هذا المقعد الشاهق. لم يكن إعلانُ النصر الثقافى صدفةً فى حضن ذكرى النصر العسكرى؛ بل هو سياق طبيعى لوطنٍ يكتب مجدَه بمداد العلماء ودماء الشهداء.

أكتوبر، الذى أخبرَ العالمَ أن «المصرى» حين يُعقد العزمَ يفتح المعابرَ المستحيلة، يثبت من جديد أن الإرادة ذاتها التى شقت قناة السويس بالعرق، وعبرت حائط بارليف بالعبقرية، قادرةٌ على عبور حواجز المعرفة والعلم لتتسلّم القيادةَ الثقافية فى أهم منظمة دولية تُعنى بذاكرة العالم. تزامنٌ مدهشٌ أن ينتخبَ القدرُ يومًا من بين ٣٦٥ يومًا، ليتواكبَ حدثان مصريان عظيمان يفصل بينهما ٥٢ عامًا! ولكن أيُّ دهشة وأيُّ عجب! فالأممُ العريقةُ لا تُسطّر أمجادَها فى فصل واحد من كتاب الحياة، بل فى فصول متتابعة، يتجاور فيها سيفُ الحقِّ مع قلم المعرفة، وتتكامل فيها معركة شرف الأرض مع معركة الوعى. أكتوبر الذى رفع راية الوطن، يعود بعد نصف قرن ليُهدى مصر راية جديدة، ترفرف هذه المرة فوق صرح الثقافة العالمى، إيذانًا بأن مصر، التى كانت «رأس حربة» الحضارات، قادرة على أن تقود الحاضر كما قادت الماضى.

البروفيسور «خالد العنانى»، ليس وحسب اسمًا أكاديميًّا مرموقًا، ولا وزير سياحة وآثار مدهشًا، ولا واجهة مصرية ثقافية ساطعة، بل هو أيضًا رجل علم جليل خبر تفاصيل التراث المصرى والعالمى، وعاش مع الجداريات والبرديات التى حكت حكايا الحضارات. هو الذى أدار ملفات ثقيلة بحجم المتاحف الكبرى، وملف استرداد الآثار المنهوبة، وملف الترويج لمصر سياحيًا وثقافيًا فى أشد لحظات العالم عُسرًا، بعد جائحة كورونا. كان، ومازال، صوتًا للآثار التى تنطق بلسان مصر القديمة، وحارسًا للأبواب المفتوحة على العالم عبر السياحة والأثر. قاد مشروعات كبرى أعادت لمصر بريقها العالمى: من نقل المومياوات الملكية فى موكب أسطورى أبهر الكوكب، إلى افتتاح المتحف القومى للحضارة المصرية، إلى ترميم كنوز أبو سمبل والأقصر وسقارة. وفى كل ذلك كان يحمل اسمَ مصرَ على هامته، لا باعتبارها وطنًا جغرافيًّا، بل بوصفها رسالةً إنسانية وحضارية للعالم كله.

وأما «اليونسكو»، فهى الضميرُ الثقافى والإنسانى والذاكرة الجمعية للعالم، والمحراب الذى يُصان فيه التراث البشرى، والمائدة التى يجتمع حولها أبناء الأرض كى يكتبوا فصول المعرفة والسلام. هى المنظمة التى اضطلعت بمهمة الدفاع عن التراث المادى واللامادى للإنسانية، والنهوض بالتعليم، وحماية الثقافة، وتعزيز الحوار بين الشعوب. عبر عقودها المتعاقبة، ظلّت «اليونسكو» دِرعًا يحرس الجمال والمعرفة والذاكرة من طوفان الحرب والجهل والتهميش. واليومَ، أن يجلس «مصرى» على مقعدها الأعلى، فهذا يعنى أن الحضارة التى قدّمت للعالم أول أبجدية وأول جامعة وأول معبد وأول مسرح، تعود لتتسلم زمام القيادة. فمصر لا تدخل إلى اليونسكو كضيف، بل كأمٍّ تعود إلى أبنائها.

والشاهدُ أن الدكتور «خالد العنانى» ليس غريبًا عن اليونسكو؛ فقد تعاون معها فى مشاريع عديدة تخص التراثَ المصرى، وكان ممثلًا قويًّا لمصر فى المحافل الدولية. خبرته الأكاديمية كأستاذ متخصص فى «علم المصريات» Egyptology، تجعله صوتًا يربط الماضى بالحاضر. فاليونسكو، بوصفها سرديةً كبرى للإنسانية، تحتاج إلى رجل يعرف قيمة «الرمز» كما يعرف قيمة «الحجر»، ويدرك أن الذاكرة الثقافية ليست ترفًا، بل هى شرطٌ لوجود الأمم وخلود الحضارات.

اليومَ، والعالمُ يمورُ بحروب تمحو الأثرَ، وتغيُّر مناخى يهدد التراث الطبيعى، فإن اليونسكو بحاجة إلى قائد يملك »رؤية« تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التنفيذية. و«خالد العنانى» هو «الرقمُ الصعب» فى تلك المعادلة العصية. هو الوزير الذى غادر مكتبه ونزل إلى المواقع، وتابع الحفائر، وافتتح المتاحف، وحوّل الأزمات إلى جسور إبداع. مبروك لليونسكو اسم مصر يشرقُ فى واجهتها، كما أشرقتِ الشمسُ فوق معابدها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وجهُ مصرَ في اليونسكو وجهُ مصرَ في اليونسكو



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt