توقيت القاهرة المحلي 18:42:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«فيروز».. ما نجا منّا

  مصر اليوم -

«فيروز» ما نجا منّا

بقلم: فاطمة ناعوت

فى تلك اللحظات التى يضيق العالمُ بنا، ونضيقُ به، نبحث عمّا يذكّرنا بأنّ فى الإنسان بقيةً صالحة لم تُستنزَف بعد. بعضنا يلوذ بالوحدة، بعضنا يعتمرُ الصمتَ، بعضنا يقصدُ الطبيب النفسى، وفريقٌ، مثلى، نقصد «فيروز». نضغط زرَّ «إنقاذ الروح»، فيغنّى الهواءُ نغمًا ينتشلك من القنوط ويعود بك طفلا لم يعرفِ الحَزَن. صوتُها لا يعِدُنا بأن الأمور ستتحسّن، لكنه يذكّرنا بأنّنا لسنا وحدنا فى هذا العالم، وأن هناك من سقط مثلنا ونجا، وترك لنا خارطة النجاة فى أغنية.

حين يضربنى الحنينُ إلى مصرَ، ذات سفر، أذهب إلى «أم كلثوم» و«عبد الوهاب». وحين يضربنى الحنينُ إلى الإنسانية والطفولة، أُنصِتُ إلى «فيروز». وأنا لا أعرف «فيروز» من عدد الألبومات ولا من تواريخ الحفلات، بل من تلك اللحظة القديمة التى انفتح فيها الصبحُ فى بيتنا على صوتٍ يطلُّ من الراديو، فيتّسع البيتُ ليصيرَ حديقةً مترامية، ويتّسع قلبى ليغدو بمساحة الكون. منذ ذلك اليوم، صارت «فيروز» جزءًا من «الُمناخ»، مثل الضوء والهواء، لا ننتبه إليه إلا إذا اختفى.

«فيروز» ليست صوتًا جميلًا، وفقط. مَن يراها هكذا لا يعرف أين تُخزّن الروحُ براهينَها. بل هى اختبارُ الإنسان كلّ صباح: أما زال فى القلب مكانٌ للبراءة؟ أما زال فينا ما يكفى من الطيبة لنصدّق أن العالم، رغم كل شىء، قادر على أن يلمع ويشرق؟ صوتُها يختبر الجزءَ الأكثرَ رهافةً منّا، الجزء الذى يُصرّ على أن يصدّق أنّ «الخير» ممكنٌ وأن «الجمال» قائمٌ لا يذوى؛ مهما علت أمواجُ القبح فى عالم يتقاتل من أجل الصغائر. حين نسمعها نكتشف أن داخلنا طفلًا واقفًا عند النافذة، يراقب المطرَ بدهشة. طفلٌ لا يفهم السياسة، ولا يعبأ بأسعار الدولار، لكنه يوقن أن فى الغيم وعدًا وفى قطرات المطر لآلئ منثورة فى السماء.

غنّت عن الطاحونة، عن النبع، عن الطيارة الورقية، عن القمر الذى تسرقه البنات، عن النوافذ التى تنظر إلى الجبل، عن الأطفال الذين اختبأوا من الزمن ونسوا أن يكبروا. غنت لبيروت، ومصر، والقدس البعيدة، لكننا فى كل مرّة نسمع سيرتَنا نحن، لا سيرة الأماكن، ونتساءل: من أين يأتى هذا الضوء؟! أسطورية «فيروز» أنها تحوّل الجغرافيا إلى حالة شعورية. بيتها ليس فى «أنطلياس» أو فى «الروشة»، بل فى تلك المسافة الدقيقة بين القلب والذاكرة، حيث تختلط روائح القهوة بنشرات السادسة صباحًا، ويمتزجُ صوتُ الأمهات وهنّ يجهزن لنا الحقائب المدرسية بزمير بوق الباص تحت البيت، لنعرف أن يومًا جديدًا مليئًا بالفرح والمعرفة فى انتظارنا.

نحن الذين تكسِرُنا الحروبُ وتُحزِنُنا الصراعاتُ، وتُربكُ أرواحَنا الطائفياتُ والعنصرياتُ والظلمُ والمكائدُ والبغضاء، نعرفُ أن لا شىء يداوى العالم مثل الصوت الذى لا يجرح أحدًا. الصوت الذى يشبه يدًا تربّت على كتفك، لا لتهوّن عليك، بل لتذكّرك بأنك كنت يومًا طفلًا يستطيع أن يثق بهذا العالم.

عرفتْ «فيروز» كيف تكون مُحايدةً ومُنتميةً فى آن واحد؛ وتلك مَلَكةٌ نبيلة لا يملكها إلا ذوو العزم. وقفت فوق جراح الطوائف والحروب، لم ترفع سلاحًا، بل رفعت طبقة الصوت إلى «الجواب»، فهدأت حولها أصواتُ البنادق وهبطت إلى «القرار». لم تقل لنا مَن على حقّ ومن على باطل، بل سألت سؤالًا آخر: ما ثمن أن نخسر إنسانيتنا ونربح السجال؟ لهذا صارت «فيروز» مرجعًا عاطفيًّا لوطنٍ لم يعد يثق كثيرًا فى المراجع.

الأكثرُ إدهاشًا فى «فيروز» أنها تمنحك ذاكرة جديدة ليست لك. ذاكرة مدينة لم تعشْها، وطفولة لم تُخبّئ لك ألعابها، وفجرٍ لم تنتظره فى بستان يطلّ على جبل. ومع ذلك تشعر أنه كله ملكك. هكذا تعمل الأسطورة: تستعير منك جرحك، ثم تعيده إليك فرحًا وبراءة كأنك قابلت نفسك بعد غياب طويل.

نحن، الذين فتحت «فيروز» عيونَنا على أوّل فكرة عن الجمال، نحن الذين كبرنا وتغيّرت ملامحنا، ونضجت أفكارنا، مازلنا نحفظ الطبقة الموسيقية نفسها التى تدخل القلبَ وتخرج دون إذن. هذا ما يجعلها بالنسبة لنا مقياسًا للزمن: نقيس أعمارنا بكيف تغيّر معنى أغنياتها فى وعينا من مرحلة إلى أخرى.

حين منحتنى «رابطة إحياء التراث العربى» فى سيدنى الأسترالية جائزةَ «جبران للإنسانية» عام ٢٠١٤، اخترتُ أن أتقلّد وسامَ «جبران» الذهبى يوم عيد ميلاد فيروز ٢١ نوفمبر. لا أدرى ما الرابطُ بين «فيروز»، و«جبران خليل جبران». ربما الطفولة، ربما نُشدان عالمٍ أكثر جمالا وهدوءًا، لا حروب فيه ولا صراعات، ربما النزوع للمحبة التى لا تسقط، وربما لأننى ابنةٌ لصوت «فيروز»، وأدب «جبران».

فى عيد ميلادها أقول لها: أنتِ ما نجا منّا من لطف، وعذوبة وبراءة. صوتُك لم يَعِدْنا بالمعجزات، لكنه منحنا رفاهيّة أن ننهزم دون أن نسقط.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«فيروز» ما نجا منّا «فيروز» ما نجا منّا



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt