توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مهرجانُ الجونة.. رسالةُ مصرَ للعالم

  مصر اليوم -

مهرجانُ الجونة رسالةُ مصرَ للعالم

بقلم : فاطمة ناعوت

مهرجان الجونة السينمائى ٢٠٢٠ لم يكن، هذا العام تحديدًا، مهرجانًا سينمائيًا مهمًّا ينتظر العالمُ وحسب، بل كان «احتفالًا بالإنسان» حين يكون قويًّا قادرًا على هزيمة المِحَن وصناعة الجمال والفرح فى أحلك اللحظات الكونية. كان المهرجانُ، الذى اختتم فعالياته قبل يومين فى مدينة الجونة الساحرة، رسالةَ احتفال بالحياة، وإصرارًا جادًّا لانتزاع إشراقة نور من ظلال جائحة عالمية أظلمتْ معظمَ مهرجانات العالم ومؤتمراته، وشتّتت الجموع وكرّست العزلة والنفور والشعور بالعدمية. قدّم المهرجان الراقى رسالةً مصرية تقول للعالم إن الفنَّ بوسعه أن ينتصرَ على الإقصاء والانعزالية والعنصرية والطائفية والتنمّر وغيرها من الأدران التى تقتلُ الإنسانَ وتُهدِّدُ الحضارة. وخرج المهرجانُ فى دورته الرابعة، كما هو دائمًا: نموذجًا يُدرّس للجمالِ والنظافة والدقّة وحسن الإدارة والتنظيم.
مقالى العام الماضى عن المهرجان كان بعنوان: «مهرجان الجونة، الرقصُ داخل الأغلال»، وهو مبدأ صينىٌّ قديم Dancing within Chains يطرحُ فرضيةَ الإبداع والتحليق، بينما الأغلالُ تُطوّقُ الجسد. واستخدمه الفيلسوفُ نيتشه ليعبّر عن انطلاق الإبداع حتى مُنتهاه، فى ظلّ ظرف قاس لا يسمحُ بذلك. وأمّا الظرفُ القاسى، الذى قصدتُه آنذاك، فكان الإرهاب الأسود الذى يُلوّحُ به الإخوان الدمويون، منذ أسقطناهم فى ثورة ٣٠ يونيو النبيلة. فكان تحدّيًا إقامةُ مهرجان يستضيفُ وفودًا من كلّ أنحاء العالم فى لحظة عسرة تمرّ بمصر وهى تذودُ عنها أصابعَ الشرّ والحقد من كلّ صوب.

ولم أكن أعلمُ وقتَها أن لحظةً أشرسَ قادمةً تنتظرُ العالمَ بأسره، تكافحُ فيها الإنسانيةُ فيروسًا ضئيلًا حصدَ من الأرواح ما لم تحصده حروبٌ عالمية. أُسدلت السُّترُ فى معظم المحافل الدولية، لكن مهرجان الجونة أضاءَ مشاعلَه فى ظل احتياطات احترازية بالغة الدقّة حدّ الكمال، ليخرجَ للنور فى كامل بهائه، فلا تنقطع العادةُ الطيبة، وتُرسلُ مصرُ رسالتَها العظيمة للعالم. إن مصرَ، مع تحديات نهوضها ومعاركها مع كورونا والإرهاب ومحاولات الهدم من الداخل والخارج، لم تُسدِل ستارَ مسرح، ولا أطفأتْ شاشاتِ سينما، ولا توقفت حناجرُ عن الشدو، ولا شَغُرت دارُ أوبرا، ولا كفَّت عصا مايسترو عن إطلاق النغم. تلك معجزةُ مصرَ الساحرةُ فى هدوئها وصخبها، حروبها وسِلمها، استقرارها وعصفِها، تقفُ على صخرة الإبداع منذ آلاف السنين، تحميها من الانكسار والهوان.


أصرَّ المهرجانُ على استئناف رسالته الطيبة فى تنشيط السياحة الخارجية والداخلية ووضع اسمها على خارطة الإبداع والحياة، ليكرّس حقيقةَ أن مصرَ بلدٌ آمنٌ يحميه جيشٌ عظيم، وإدارة سياسية واعية وشعبٌ يحبُّ الحياة والفنون الراقية.


رفعَ المهرجانُ شعارَ «سينما من أجل الإنسانية». وتلك رسالةٌ أخرى قدمتها مصرُ للعالم. واستضاف المهرجان أكثر من ستين فيلمًا، من أكثر من أربعين دولة ضمن مسابقات وبرامج فنية وفكرية متنوّعة. وفاز فيلم (الرجل الذى باع ظهره) للمخرجة التونسية «كوثر بن هنية» بجائزة «نجمة الجونة لأفضل فيلم عربى». ويقدّم الفيلمُ معالجةً درامية معكوسة لأسطورة «بجماليون»، التى تحكى عن نحّات صنع تمثالًا من الرخام ثم سقط فى عشقه فحاول أن ينفخ فيه الروح ليجعله إنسانًا يحيا ويتنفس. فاستلهم الفيلمُ من مأساة الشعب السورى الراهنة حكاية رمزية عن لاجئ سورىّ حوّلته السياسةُ وتجارة المال إلى تمثال جامد لا حياة فيه، يجوبُ قاعات العرض والمزادات ليُباع كما تُباعُ التحفُ.
مبروك للأفلام الفائزة والنجوم الذين كرّمهم المهرجانُ احترامًا لمسيراتهم الفنية. وشكرًا للمهرجان الذى يقدّم باسم مصرَ واحدة من أهم الفعاليات السينمائية والفنية فى العالم. شكرًا للمهندس الفنان «سميح ساويرس» لإصراره على إقامة المهرجان فى موعده السنوى فى ظل ظرف عسر يعيشه العالم. شكرًا لوزارة الصحة المصرية التى دعمت المهرجان وأمّنته صحيًّا بتكثيف الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الفيروس، فأتمَّ المهرجانُ فعالياته بأمان دون إصابة واحدة، ولله الحمد. شكرًا للناقد المبدع «انتشال التميمى» وإدارة المهرجان على تنظيم المهرجان على هذا النحو الفائق كما تعوّدنا. شكرًا للشباب والصبايا الجميلات الذين انتشروا كخلايا نحل نشطة بين الفنادق وقاعات عرض الأفلام ومنصّات الندوات وقاعات الجاليرات الفنية والسجادة الحمراء ليخرج المهرجانُ على هذا النحو المنظم الأنيق. شكرًا لجميع مَن ساهم فى إنجاح المهرجان المصرى العالمى الباهر والعقبى لتحتفل مصرُ بيوبيله البرونزى والفضى والذهبى والماسى فى مقبل الأعوام. شكرًا لمعجزة «الجونة» الآسرة، التى تقدّم لنا نموذجًا لمدينة اختفت منها جميع الشوائب المجتمعية، حيث لا قمامة ولا مخالفات مرور ولا تحرّش ولا طائفية ولا سرقة ولا تنمّر. وشكرًا لكل نبيل فى هذا العالم يبنى حجرًا فى صرح الإنسانية والحضارة. «الدينُ لله، والوطنُ لمَن يُعلى اسمَ الوطن».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مهرجانُ الجونة رسالةُ مصرَ للعالم مهرجانُ الجونة رسالةُ مصرَ للعالم



GMT 21:05 2025 الثلاثاء ,04 آذار/ مارس

ترامب وزيلنسكى.. عودة منطق القوة الغاشمة!

GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته

GMT 00:14 2024 الأربعاء ,14 شباط / فبراير

أفضل العطور المثالية للاستخدام اليومي

GMT 09:41 2021 الثلاثاء ,13 إبريل / نيسان

هل يجوز للصائم أخذ لقاح كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt