توقيت القاهرة المحلي 07:53:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أبي.. وأبي الروحي

  مصر اليوم -

أبي وأبي الروحي

بقلم: فاطمة ناعوت

لم يرَ أحدُهما الآخر. لكن روابطَ كثيرةً ربطت بينهما؛ من بينها: أنا. كلاهما كان لى أبًا؛ إما بالجسد أو بالروح. ومن مفارقات القدر العجيبة أن يغادر كلاهما فى اليوم نفسه، ولكن فى عامين مختلفين. بين هذين العامين عشتُ أنا سنواتٍ طوالا، يغمرنى ما تعلمته منهما، وما ورثته من جينات.

الأول: أبى الحقيقى. وبمناسبة اسم عائلته الفريد، وتكرار السؤال عن معناه، يطيبُ لى أن أنقل لكم بعض ما ورد بالمعاجم: «ناعوت»: جيد كريم رفيع المنزلة، فرسٌ ناعوت: أصيلٌ سبّاق حسُنَت خصالُه، امرأةٌ ناعوت: غاية فى الجمال.

الثانى: أبى الروحى. الفنان الجميل، والوطنى المناضل «سمير الاسكندرانى»، الذى حلّت ذكراه الرابعة بالأمس ١٣ أغسطس، فى نفس يوم رحيل أبى الحقيقى.

كلاهما كان متصوّفًا وحانيًا ومثقفًا وفنانًا. تعلّمتُ منهما أن أختصمَ، ولا أكره. أن أختلفَ فى الرأى، ولا ألعن ولا أبغض. أن أساجلَ خصومى فكريًّا، ولا أدعو على أحد بالموت والويل والعذاب.

علمنى أبى أن القوة فى العُلوّ والتسامى، لا فى التدنّى والانتقام. علمنى أن أنصرف عمن لا يستحقُّ المجادلة؛ حتى أكون من: «عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما». علمنى أن أساجل الأقوياء لا الضعفاء والموتى. الضعافُ لهم المساعدة، والموتى ليس لهم إلا تمنّى الرحمة والمغفرة. علّمنى أبى أن حبَّ الله رهينٌ بحبّ خلق الله، وأن الانتصارَ لحقّ المظلوم آيةٌ من آياتِ الله العليا، لأنه تعالى حرّم الظلمَ على نفسه وجعله بيننا محرّمًا، فى الحديث القدسى. علمنى أن من يكره لا يحبُّ. ولهذا أفخر بأن «جهاز الكراهية» عندى مُعَطلٌ ولا أسعى لإصلاحه. ولم أقبض على نفسى أبدًا متلبّسةً بالدعاء على أحد، مهما ظُلمت. فقط أدعو بأن يفصلَ اللُه بينى وبين الظالمين وأن يكشف كيدَهم.

أما أبى الروحى: «سمير الاسكندرانى» فتعلّمتُ منه أن الإنسانَ كلما نضُج فكريًّا وسما روحيًّا صار أكثر رهافةً وقدرة على الحبِّ والتسامح. المتصوف صاحب أعظم الحناجر، الذى شدا لمصر بخمس لغات: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، اليونانية، مازجًا النغمَ الشرقى بالغربى فى ضفيرة أنيقة؛ فكان المطربَ والكورالَ والمؤلف الموسيقى والموزّع، فى آن. كان جبلا هائلا من المواهب والعبقريات. وإلى جوار تلك المنح الإلهية، كان فارسًا وطنيًّا يعشقُ مصرَ ويفتديها بالعزيز الأكرم. لهذا رثته المخابراتُ المصرية المحترمة يوم رحيله بكلمات خالدة: «... الذى قدّم لوطنه خدماتٍ جليلةً جعلت منه نموذجًا فريدًا فى الجمع بين الفنّ الهادف الذى عرفه به المصريون، والبطولة والتضحية من أجل الوطن».

كانت وصيتُه أن يُصلَّى عليه فى محراب «مسجد وضريح السيدة نفيسة» رضى الُله عنها. فقد كان لنفيسة العلم، عاشقةِ مصرَ والمصريين، مكانٌ ومكانة فى قلبه، مثلما فى قلوب جموع المصريين. قُبيل الصلاة عليه، وقفتُ أمام نعشه أقرأ «الفاتحة» وسورة «الفجر»: «يا أيتُها النفسُ المطمئنة ارجعى إلى ربِّكِ راضيةً مرضية، فادخلى فى عبادى وادخُلى جنتى»، ثم غلبنى البكاءُ. فإذا بصوته يشدو: “يا غُصنَ نقَا مُكلّلاً بالذهبِ، أفديكَ من الردَى بأمّى وأبى.« جفلتُ، ونظرتُ إلى نعشِه فإذا الجثمانُ الطيّبُ صامتٌ مُسجًّى فى كفنه الناصع. ثودركتُ أن صوتَه الشجيَّ قد جاء من هاتفى. لأن أغنياتِه هى نغماتُ رنينى الدائم منذ سنواتٍ.

أتذّكره الآن جالسًا جوارى على منصّة صالونى الثقافى فى «مكتبة مصر الجديدة»، لحظةَ تكريمه، وإعلانى اسمَ النجم المثقف «سمير الاسكندرانى» أبًا روحيًّا للصالون. فإذا بهاتفه يرنُّ بنغمة موسيقية عادية! اندهشتُ وقلتُ مستنكرةً: (إيه النغمة دى يا سمسم؟! اسمع نغمتى أنا) فإذا بهاتفى يرنُّ بإحدى أغنياته. فضحكَ وقال بصوته العميق الآسر: (يا بختى!) هكذا كان عذبًا رقيقًا ومتواضعًا.

كان بطلا قوميًّا عرّض نفسه للتهلكة وتحدّى جهاز الموساد الصهيونى الغاشم، وهو بعدُ طالبٌ فى كلية الفنون الجميلة. حاولتْ إسرائيلُ تجنيدَه جاسوسًا على مصر مقابل ثروة ضخمة. داسها بحذائه، وأخبر الرئيسَ «جمال عبدالناصر». وصدر قرارُ جهاز المخابرات المصرية بأن يتجاوب مع الموساد؛ لكى نُحبِط أعمال الصهاينة. وبالفعل، استطاع «سمير الاسكندرانى» بذكائه وثقافته ووطنيته أن يصفع الموسادَ صفعةً تاريخية لا تُنسى. فكرّمه الرئيسُ جمال، فى ستينيات القرن الماضى، ومنحه لقب: «ثعلب المخابرات المصرية». وصنع بهذا نموذجًا للفنان البطل؛ الذى لم يكتفِ بالتعبير عن حبه لمصر بالغناء بصوته الذهب، بل أقرنَ الشدوَ الألماسى بالمخاطرة من أجل الوطن.

أناشدُ فخامة الرئيسَ «عبدالفتاح السيسى» بتكريم اسمه بوسام وطنى يليقُ بتاريخه المخابراتى الرفيع، وإطلاق اسم «سمير الاسكندرانى» على أحد شوارع القاهرة، وعلى أحد مدرجات «كلية الفنون الجميلة»، التى تخرّج فيها ودرَّس. رحم الله أبى.. وأبى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبي وأبي الروحي أبي وأبي الروحي



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
  مصر اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt