توقيت القاهرة المحلي 08:34:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نصوم معًا... صحن فول بالبيض!

  مصر اليوم -

نصوم معًا صحن فول بالبيض

بقلم: فاطمة ناعوت

 على روزنامة الزمان، تحدث مصادفاتٌ جميلة، فيتقاطعُ التقويمُ الميلادى مع التقويم الهجرى، ويبدأ صومُنا غدًا فى غُرّة شهر رمضان المعظم، مع صوم أشقائنا المسيحيين صومَهم الكبير لمدة ٥٥ يومًا. نختتمُ صيامَنا بعيد الفطر المبارك، ويختتمون صيامَهم بعيد القيامة المجيد، أعاد اللهُ علينا جميع الأعياد بمنتهى الخير والمحبة والسلام، وشعبنا الطيب فى رباط وتضامّ وحب، آمين.

وفى هذه المصادفة الطيبة دعونى أقصُّ عليكم حكايةً جميلة حكاها لنا المهندس «جوزيف عيّاد»، وهو صديقٌ من شلّة «نادى الرحاب»، عرّفنا عليه الصديقُ المهندس الجميل «فوزى فهمى برسوم». فى حى شبرا العريق الجميل. حين كان طفلًا، ذهب إلى «مطعم السنّى» لشراء بعض الفول والطعمية فى مثل هذه الأيام أثناء صيام القيامة المجيد. وكما هو واضح من اسم المحل، فإن صاحبه رجلٌ سنّى ملتحٍ. دخل المحلَّ زبونٌ مسلم، وطلب من النادل: «صحن فول بالبيض»، فجاء الحاجُّ «السنىُّ» واعتذر للزبون هامسًا: «سامحنا... إخواتنا المسيحيين صايمين، فمش بنعمل فول بالبيض لغاية ما يفطروا عشان آثار البيض بتفضل فى طاسة الطعمية». تصوروا الرقى وصلاح القلب عند هذا المسلم المتدين، الذى يراعى جيرانه ويحترم شعائرهم!، ولا حصر لمثل حكايات المحبة هذه من الطرفين. ويومًا ما، سأعكفُ على وضع هذه الحكايا فى كتاب، ربما يكون عنوانُه: «حكايات المحبة.. التى لا تسقطُ».

هذا شهرُ رمضان الذى يجلبُ لنا الطمأنينةَ والتوادَّ والرحمة. وفعلًا «رمضان فى مصر حاجة تانية»، كما كتب الشاعرُ «أمير طعيمة»، على نغمات الموسيقار «إيهاب عبدالواحد»، وأوتار حنجرة «حسين الجسمى» الآسرة. وطبعًا «السرّ فى التفاصيل». رمضان المصرىّ يُغرقُ الشوارعَ والحاراتِ وشرفاتِ البيوت بالزينات الملونة والفوانيس المضيئة. فى طفولتنا كنّا «نحوّش» القروش فى حصالاتنا، ثم نفتحها قبيل رمضان لنشترى الخيوط والورق والألوان وقنانى الصمغ والمقصات الصغيرة. نجتمع مع أطفال الجيران نقصقصُ ونلونُ ونلصقُ ثم نمدِّدُ أمتارَ الخيوط بالبهجات والفرح. ثم نطرقُ أبوابَ الحىّ لكى يسمحوا لنا بتعليق فروع الزينة من بلكوناتهم إلى البلكونات المقابلة. وحين يحلُّ المساء، نحمل فوانيسَ الزجاج الملون والشموع المضيئة، وننزل مع أطفال الجيران نغنى «وحوى يا وحوى إياحا. حالو يا حالو رمضان كريم يا حالو». وصلتنا كلماتُ الأغنية من الجد المصرى القديم حين كان الأطفالُ يغّنون للقمر إذا غاب: وحوى= رحل، إياحا= القمر، حالو= أهلًا. ومنذ العصر الفاطمى صارت الأغنيةُ الفلكلورية أنشودةَ استقبال رمضان. وتقولُ رواياتٌ أخرى إن الملكة المصرية «إياح حتب» هى والدة «أحمس»، المقاتل الجسور، طارد الهكسوس من مصر. بعد النصر ذهب المصريون إلى قصرها يهنئون الملكةَ الأم ويغنون: «واح واح إياح»، أى: «تعيش تعيش إياح»، وظلّت تلك الأنشودة خالدة على ألسن المصريين حتى العصر الفاطمى، غنّوها حين صنع المصريون أولَ فانوس لإضاءة الشوارع مُستقبلين شهر رمضان.

فى طفولتنا لم نكن نعلم أن الأطفال الذين صنعوا معنا زينات رمضان كانوا أبناء جيراننا المسيحيين. كانت الحياة بسيطة ونظيفة؛ يجمعنا الحبُّ ولا تفرّقنا الطائفية. ولا شىءَ قادرٌ بإذن الله على تمزيق وشائجنا المجدولة بخيوط المحبة.

فقط فى مصر الجميلة، يقفُ شبابٌ وصبايا على قارعات الطرق، يقدمون لك الماء والتمر مع أذان المغرب. وأحيانًا تجد داخل كيس التمر ورقةً صغيرة مكتوبًا عليها: «كنيسة كذا تتمنى لكم صومًا مقبولًا وإفطارًا شهيًّا». شبابٌ مسيحيون يقومون بهذا الطقس الجميل لكى نكسر صيامنا مع الأذان على تمور مصر الطيبة.

ومازلت أذكرُ بكل الفرح ذلك الصليبَ الأزرق الصغير المرسوم على رُسغ يد طيبة قدّمت لى حبّة تمر لأكسر بها صيامى فى رمضان عام ٢٠١٣، يوم الجمعة ٢٦ يوليو، أمام «قصر الاتحادية»، حين خرجنا جميعًا، نحن المصريين، نطالبُ الجيشَ المصرىَّ بمواجهة الإرهاب. كنتُ جالسةً فوق المنصّة مُنهكةً من الصيام والعطش والهتاف فى الحشود. وحين أذن المغربُ قُدمت لى زجاجةُ ماء وتمرةٌ من يدٍ مصرية، رفعتُ بصرى، فإذا بفتاة صبوح تقول لى: «اتفضلى اكسرى صيامك»، فنهضتُ وعانقتُها. هكذا كنّا، واحدًا صحيحًا لا ينفصم، وسوف نظلُّ إلى نهاية الزمان.

يزورنا رمضانُ هذا العام، ومصرُ قد تعافت من ظلال الإرهاب والطائفية التى وخزت قلبَنا عقودًا وسنواتٍ، لا سمح اللهُ بعودتها. صفا لنا وجهُ مصرَ، لنصفو وننصت إلى صوت السماء فى تواشيح «النقشبندى» وقرآن الشيخ «رفعت»، وصخب أطفال الشارع، الذين لن نميز أبدًا إن كانوا مسيحيين أم مسلمين. لكننا متأكدون أنهم مصريون. أنجبتهم هذه الأرض الطيبة، وأظلّتهم أشجارُها الوارفة، وأطعمهم نخيلُها من تمورها الشهية. كل عام وجميعنا فى ملء الفرح والمحبة. اللهم تقبل صيامنا فى هذا الشهر المبارك، وتقبل من أصدقائنا صومَهم الكبير، واعفُ عنّا، واحفظ بلادنا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نصوم معًا صحن فول بالبيض نصوم معًا صحن فول بالبيض



GMT 08:01 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إلى إيران

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

عالم ماسك... «الماسخ»

GMT 07:56 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

GMT 07:54 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

حصرية السّلاح ليست خياراً

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إيران... لغز «العطش والعتمة» في بلاد الغاز

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كي لا يفقد لبنان جنوبه

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كامل الشناوي ويوسف إدريس ونجاة بالذكاء الاصطناعي!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:21 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم الجوع في 2026
  مصر اليوم - برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم الجوع في 2026

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt